مرّت عملية العمل السياسي عبر القرون بمراحل كان إمتلاك القوة الضاربة والإمكانات العسكرية هو العامل الحاسم سواء في السيطرة على قمة نظام الحكم في البلد المعني وإدامة الحفاظ على السلطة أو في توسيع رقعة الأرض المشمولة تحت سلطة النظام بإحتلال أراضي بلدان أخرى . وقد تمّ إستخدام هذا الأسلوب لقرون عديدة ، وكان من نتائجه قيام الإمبراطوريات الإستعمارية ، حيث وصلت مساحة بعضها أن لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها ، أو قيام دكتاتوريات تفرض نفسها بالقوة .
كان للتقدم التقني وإتساع المجتمع الحضري والتكاثف السكاني في المدن الكبيرة الأثر الكبير في تعميق الوعي بين طبقات الشعب بالظلم الذي يُمارَس ضدها ويحرمها من أبسط حقوقها لصالح حفنة إستعمارية أو حكومة دكتاتورية . وبذلك بدأت الحركات التحررية بين طبقات الشعب وظهر تشكيل المنظمات المهنية والسياسية لغرض النضال من أجل إسترداد حقوق الشعب المستلبة . وقد إتسم أسلوب النضال الذي مارسته حركات التحرر بالعنف ، وقامت ثورات كثيرة دموية وإنقلابات أستخدمت فيها القوة العسكرية ضد بعضها البعض ، مما كان يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات مما يضعف النظام – أيّ نظام حكم - تجاه تلبية وتطمين حاجات الشعب . لقد أدى أسلوب ممارسة العنف في تداول السلطة أو في التحرر من الإستعمار إلى جعل الشعوب هي الخاسر الأكبر في أي صدام .
بعد قرون من ممارسة سياسة العنف ، وبسبب تعمّق الوعي والتقدم العلمي الذي أدى إلى الثورة الثقافية في القرن المنصرم و ما أضافت الثورة المعلوماتية إلى الفكر الإنساني فقد أصبح النضال السلمي يفرض نفسه كبديل عن العنف في تحقيق النتائج ، فمثال ثورة غاندي في تحرير الهند من الإستعمار البريطاني أصبح نموذجاً يقتدى ، فنرى ثورة مانديللا ضد الإستعمار البريطاني ومن نصّبهم من المستوطنين العنصريين لتحرير جنوب أفريقيا دلائل مقنعة على أن النضال السلمي وتعميق الوعي لدى أوسع جماهير الشعب إنما يمثل الأسلوب الأنجح في النضال . لقد أصبح شائعاً تعريف العمل السياسي ب ( العمل بين الجماهير ) .
أصبح العمل الجماهيري ، من كسب الأعضاء والمؤيدين وتثقيفهم وتعميق وعيهم بحقوقهم ، الواجب الأول لدى كل منظمة ، مهنية كانت كالنقابات والجمعيات المهنية أو لدى الأحزاب السياسية . فكلما توسعت قاعدة المنظمة المهنية أو الحزب ، وتراصت صفوفها ، بالإيمان بأهدافها وتمسك أعضائها ومؤيديها بتلك الأهداف تكون تلك المنظمة ذات بأس وذلك الحزب ذا مكانة في المجتمع وفي التأثير على القرارات التي تخص حاله ومستقبله . و لا يخفى فشل المنظمات والأحزاب التي لا زالت تمارس العنف أو حتى الإرهاب في تحقيق أي من أهدافها سواءٌ كانت تلك الأهداف مشروعة أو لا .
لقد تحوّل الرأي العام في العالم المتمدن عن العنف كأسلوب في النضال إلى الممارسة السلمية وتحقيق الثورة الإجتماعية عبر صناديق الإقتراع . ولذلك فإنّ العمل السياسي السلمي يتطلّب عملاً دؤوباً مستمراً من التحفيز والتثقيف والتخطيط العلمي لبلوغ الغايات التي تحقق أفضل النتائج لصالح أوسع طبقات الشعب . وبهذا يمكن تشبيه العمل الدؤوب هذا بأسلوب التلميذ الذي يحضر دروسه يومياً ليكون جاهزاً للإمتحان في أي وقت لا كالتلميذ الذي يكثف دراسته فقط في الفترة القريبة للإمتحانات . يجب أن تكون قيادات المنظمات والأحزاب متمكنة من تحسّس حاجات الجماهير والتنبؤ بما يستجد منها لكي تطرح الشعارات المعبّرة فعلاً عن تلك الحاجات فتكون بذلك قد كسبت الكثير من المؤيدين الذين يطمحون إلى تحقيق تلك المصالح . وكذا يجب أن تكون تلك القيادات قادرة على وضع البرامج التثقيفية التي تؤهل المؤيدين الجدد كي يكونوا أكثر إلتصاقاً بأهداف المنظمة أو الحزب . إن تقوية المنظمة أو الحزب تعتمد على الأساليب المتبعة بشدّ أعضائها ليكون كل فرد في التنظيم معلّماً لكسب المؤيدين . إن عمل الكوادر في كل منظمة أو حزب مسألة جوهرية في النجاح لما تتصف به تلك الكوادر من خبرة وثقافة ومعرفة ومصداقية يكون لها التأثير الكبير على المتلقي لتعاليمهم . لذلك فإن تكثيف تثقيف الكوادر والإهتمام بهم يعتبر رأس المال الذي يجب إستثماره بعناية ، فتكون المسيرة متجهة في المسار الصحيح المؤدي إلى الأهداف .
" قووا تنظيم حزبكم ، قووا تنظيم الحركة الوطنية "
_________________________________________
النظرية والواقع
كانت المراحل التاريخية التي مرت بها البشرية بعد مرحلة المشاعية البدائية وبداية المجتمعات الطبقية براهين مؤكّدة على صحة كون مسيرة المجتمعات هي إلى الأمام دائماً . في المجتمع الطبقي ينقسم المجتمع إلى طبقة إجتماعية سائدة تتميّز بمصالح إقتصادية معينة تتحكم في السلطة وتديرها بما يحقق لها اقصى المنافع ، وطبقة مُستغلَّة تمثل الأكثرية الساحقة من الشعب تكون تحت رحمة السلطة وتُحرَم من حقوقها التي قد تمكنها من تنظيم نفسها وخلق الظرف المناسب لتغيير ميزان القوى لصالحها . إنّ تشدّد الطبقة السائدة في إستغلال جماهير الشعب المَسود يدفعها إلى النضال من أجل حياة أفضل . فالطبقة السائدة بقدرتشددها في إستغلال طبقات الشعب إنما تخلق بذرة موتها بسبب تطوّر الوعي الطبقي والشعور بالظلم لدى الجماهير .
لا يقتصر التحليل المادي للتاريخ على بلد معين أو مرحلة تاريخية محددة ، والعراق في تاريخه الحديث نموذج لصحة هذا التحليل .
بدأ العراق حكمه الوطني في عشرينات القرن الماضي كنظام حكم أوليغاركي ، كانت السيطرة على الحكم لطبقة الإقطاعيين و مُلاك الأراضي وبدعمٍ من الإستعمار بحكم الإتفاقيات العسكرية والإقتصادية الموقعة ، ومن رجال الدين المنتفعين . وكان الشعب ، ومعظمه من طبقة الفلاحين المستغَلين لا يملكون غير أن يعملوا كأقنان تحت رحمة الإقطاعيين ووكلائهم السراكيل . كانت الطبقات الإجتماعية الأخرى ، كالبرجوازية الوطنية والعمال ، ضعيفة بسبب القوانين والأنظمة الصارمة في تاسيس وإدارة المشاريع الصناعية والتجارية ، وربط التجارة الخارجية برُخَص ( كوتة ) تمنح إلى الخاصة التي تعيش حياة التطفل في كنف نظام الحكم . فقد كان العراق من البلدان المصدرة للحبوب والتمور بينماعامة الشعب محرومة من أكثر حاجاتها الحياتية . إن تشدد نظام الحكم قد خلق وعياً جماهيرياً واسعاً بالظلم ولكن لم تكن هناك وسيلة لتغيير النظام بسبب عدم وجود تنظيمات سياسية تبلغ من القوة والجدارة لتفعل ذلك وهكذا جاءت المبادرة من القوات المسلحة في يوم الرابع عشر من تموز من عام 1958 .
بالتغيير الذي حدث تسلّمت السلطة شريحة من البرجوازية الوطنية تحت ظلّ نظام عسكري أوليغاركي جديد بحكم أن قيادة السلطة كانت لها السيطرة على القوات المسلحة ، وبدأت البرجوازية الوطنية خطواتها الأولى للنمو ، فشرعت القوانين التي تسهل إقامة المشاريع الصناعية والتجارية ، وتمّ التوقيع على إتفاقيات إقتصادية مع الإتحاد السوفييتي ، وتمّ إصدار قانون الإصلاح الزراعي بغرض تقلييم أظافر الإقطاع ، ولكن وبسبب الخلل الذي إعتور القانون من تعويض الإقطاع عن الأراضي المشمولة بالقانون ومطالبة الفلاح بثمن قطعة الأرض التي تُملّك له فإن النتائج العملية في الواقع كانت وخيمة إذ تحوّل الإقطاعيون السابقون إلى صناعيين أو تجاراً بعد توفر رأس المال لديهم ، وتحول الفلاحون إلى مهاجرين إلى المدن بعد تركهم لأرضهم بسبب عدم تمكنهم من تسديد قيمة الأرض المملكة لهم . بهذا أصبح فلاحو الأمس إحتياطياً كعمال يعانون البطالة ويمكن إستغلالهم بتشغيلهم بأدنى الأجور، وهي في الحقيقة من الخدمات التي حصلت عليها البرجوازية الوطنية . ولكن تتميّز البرجوازية الوطنية بكونها طبقة إجتماعية غير متماسكة ، بسبب إختلاف المصالح الطبقية بين شريحة وأخرى ، فمنها من تعتمد الإستثمار الصناعي والزراعي وتطويره وتسويق منتوجاته محلياً أو بالتصدير ومنها من تعتمد الإستثمارالتجاري ذا البعد الإقليمي والدولي ، فبذلك إنقسمت البرجوازية إلى شريحتين الأولى تتمسك بذريعة خدمة العراق والثانية إمتدت يدها للدول الأخرى ومارست محاولات إنقلابية عديدة حتى نجحت في الثامن من شباط 1963 . إن مسيرة الحكم لمدة أربعة سنوات وبضعة أشهر وبفرضه دكتاتورية فردية وممارسته سياسة الموازنة بين اليمين واليسار قد خلق البذرة التي نمت حتى تمكنت من قتل النظام .
ما أن إستلمت الشريحة الثانية من البرجوازية الوطنية الحكم حتى بدأت أجنحتها تتنافر فيما بينها ، فالكتلة العسكرية تحاول أن تكون صاحبة الحكم بينما الجناح المدني يرى في نفسه الأهلية لقيادة الحكم . كانت الصراعات بين القياديين من الجناحين من أجل السلطة وبمعزل عن الشعب الذي كان ينقاد عاطفياً مع كل حدث جديد حتى إنتصرالجناح المدني بمساعدة بعض المغامرين من العسكريين طالبي الجاه وبقيادة حزب البعث العربي الإشتراكي . لقد كان إستلام البعث للسلطة فاتحة عهد جديد ونوع جديد من النظام الأوليغاركي الذي إبتدأ مدنياً في عهد أحمد حسن البكر ، وبمباشرة شخصية من صدام حسين تمت تصفية غير الموالين لشخصه بشتى الوسائل وتمت على نفس الخط عسكرة النظام بتوزيع المناصب في القوات المسلحة للموالين وأفراد عائلته و أبناء مدينته ووضع نظام أمني متعدد الأجهزة لكشف أية محاولة قد تطال النظام وإستخدام عقوبات الإعدام لردع أي نفس قد تفكر في عمل شيئ يضر النظام . كانت شريحة البرجوازية الممثلة للحكم طبقة طفيلية أدخلت نفسها في شتى النشاطات الإقتصادية لتحقق الأرباح تارة وفرض الأتاوات تارة أخرى . وتاجرت بكل أنواع السلع بضمنها سرقة وتهريب الآثار التالريخية بالإضافة إلى توزيع كوبونات البترول على الموالين وإلى وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية . لقد كان إندفاع النظام في إستخدام القوات المسلحة في حربه غير المبررة مع إيران والغزوة الإعتباطية على دولة الكويت العربية وكذلك قمعه إنتفاضات الشعب سواء في الجنوب والوسط أو في كردستان وتنفيذه المجازر العديدة ، بالإضافة إلى حرمان الشعب من أبسط حقوقه في الحياة . إن هذا الجناح الذي سيطر على الحكم بإسم حزب البعث قد إنسلخ عن حزب البعث الحقيقي وتحول إلى مجموعة من المجرمين من أغنياء الحرب المتطفلين على جميع الأنشطة الإقتصادية بفرض الأتاوات ، وغسيل الأموال حتى إنخفضت قيمة العملة العراقية إلى واحد من عشرة آلاف من قيمتها عند إستلامهم للسلطة * . إن الظروف التي خلقتها هذه الزمرة وعلى رأسها الطاغية صدام حسين لم تترك مجالاً للتحرك بإتجاه التغيير لا من قبل البعثيين الشرفاء في إطار الحزب و لا من قبل أبناء الشعب و لا حتى من قبل القوات المسلحة ذاتها . لقد كان النظام معزولاً فعلاً قبل سقوطه على يد الإحتلال . لقد كانت الإستعانة بالولايات المتحدة من قبل فصيل من أبناء الشعب لتغيير النظام من قبيل الحل الأخير الذي لا بد منه بسبب اليأس من وجود أي أسلوب غيره .
توحّد الشعب بجميع طبقاته الإجتماعية لتحقيق التغيير الذي طال إنتظاره أربعة عقود من الزمن . توحدت جميع طبقات الشعب ، بكافة منظماته الإجتماعية وأحزابه ولم يكن البعثيون الشرفاء خارج هذا التوحّد ، بسبب أن الزمرة الحاكمة كانت تمثل الطاغية ومن هم حوله من المستفيدين . ولذلك نرى أن القوات المسلحة بكافة صنوفها وكذا أبناء الشعب لم يقاوموا قوات الإحتلال ، وكذا نذكر الفرحة العارمة التي عمت جميع المناطق وحدوث المظاهرات العفوية عند سقوط الصنم .
جاء الإحتلال بدعوة من فصيل من أبناء الشعب ، سواء من الذين يمثلون أحزاباً أو حركات سياسية ، وقد حرصت الولايات المتحدة أن تعلن عن الدعوة الموجهة لها بأن طلبت من ممثلي الحركات السياسية والأحزاب الذهاب إلى واشنطن لوضع اللمسات النهائية لخطة " تحرير العراق " كما سمّيت آنذاك .
لم يأت الإحتلال ل " تحرير العراق " من أجل سواد عيون الشعب العراقي ، بل جاء لأغراض تتعلق بمصالحه الإستعمارية وترتيب الأوضاع وبناء نظام الحكم بما يضمن تلك المصالح على المدى البعيد . ففي هذا المجال لا مكان لقول يصدر أحياناً من بعض الساذجين أن الأمريكان قد إرتكبوا الأخطاء في كذا و كذا ، وان الأمريكان لم تكن لديهم خطة لما بعد الإحتلال .
بعد فترة وجيزة من الحكم المباشر لقوى الإحتلال التي تمثلت بفترة وجود الحاكم المدني ( بول بريمر ) ، تمّ تسليم الحكم إلى أكثر الطبقات الإجتماعية العراقية رجعية . فليس القول مبالغٌ فيه أنّ العراق أعيد إلى الوراء أكثر من خمسين عاماً ، وكأن ما قامت ثورة الرابع عشر تموز و لا أزيلت الملكية وأعلنت الجمهورية !!!
صراعٌ جديدٌ قديمٌ عهدناه في العهد الملكي المباد ، صراعُ كتلة نوري السعيد وكتلة صالح جبر ، صراعُ أياد علاوي ومن يمثلهم والمالكي ومن تحالف معهم . كتلة تنتمي إلى القديم وقد أعطت خلال حكمها لمدة السنوات الست الماضية البراهين القاطعة على أن برنامحها هو إعادة العراق ألفاً وأربعمائة سنة إلى الوراء وكتلة تدعي العلمانية والتقدمية ولكنها لحد الآن لم تستنكر أو تدين الجرائم التي إرتكبها الطاغية بإسم البعث لتطَهّرنفسها و حزب البعث من الأدران التي علقت به .
هاتان الكتلتان تتصارعان ، والكلّ يدعي وصلاً بالشعب ، لكن لا واحدة منهما تنأى عن القيام بأي عمل و إستخدام العنف لتحقيق أغراضها . الغاية تبرر الوسيلة مبدأ كل واحدة منهما ، فتجد أنباء مؤامرة لإغتيال فلان ، وسطو على فرع لبنك ( وخصوصاً البنك المركزي ) ، مؤامرات ( بصيغة قانونية ) للإلتفاف على إختيارات الشعب في الإنتخابات ، ووضع الدستور على الرفوف العالية . كل تلك صورٌ من أساليب الصراع السياسي القائم . إن هذا الصراع مثل جميع الصراعات السابقة له نهاية بفوز أحد الكتلتين على الثانية ، ولكن ذلك النجاح لا يكون نهاية للمطاف بل أن الكتلة الفائزة ستنشق أيضاً على نفسها ويبدأ صراعٌ من نوع جديد . ومهما تكن نتائج هذه النجاحات أو الإخفاقات فمنطق التاريخ يظل هو الحاسم . لقد عاش الشعب العراقي في هذه البقعة من العالم من آلاف السنين ، وهو خالدٌ فيها إلى الأبد أمّا الذين يراهنون على الحكم ويتصارعون من أجله فهم بشرٌ زائلون يوماً وإن كانوا ينسون أن الحكم لو دام لغيرهم لما وصل إليهم . إن الشعب مهما كانت التكاليف لمنتصرٌ ، فعجلة التاريخ تسير دوماً إلى أمام والمستقبل للشعوب وليس للحكام الذين لا يمثلون شعوبهم حق تمثيل .
* كان الدينار العراقي يساوي 3.7778 دولار أمريكي وإنخفضت قيمته حتى أصبح الدولار الأمريكي يباع بثلاثة آلاف دينار عراقي .
_______________________________________________
التمنّي .. وَلِمَن ؟
مهما قيل أو كُتب من قبل المحللين أو المراقبين أو المكتوين بنار الجحيم الذي فتحت أبوابه على العراق والعراقيين بمجيء الإحتلال وخلال الفترة القصيرة نسبياً من حكمه المباشر ثم ما أعقب ذلك من تسليم المسؤوليات ( ولو إسميّاً ) إلى بيادق كانت قد أتت على دباباته . أقول مهما قيل فإن الصراع المستديم بين هذه البيادق لا يخرج عن كونه صراعاً طبقيّاً ، صراعاً من أجل تطمين مصلحة طبقة معينة على حساب طبقة أخرى .
يتسمُ المجتمع العراقي بشمولية الطبقة البرجوازية الصغيرة ، بعد أن ضعفت الطبقة الإقطاعية بإصدار قانون الإصلاح الزراعي . وبسبب الإنحراف في مسيرة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي فقد إنقسمت الطبقة الفلاحية بسبب هجرة الكثير من الفلاحين إلى المدن لما عانوه من الفقر والجوع لفقدانهم أسباب معيشتهم وعدم تمكّن البقية الباقية من تنظيم نفسها في منظمات توحدهم لغرض الدفاع عن مصالحهم . لقد أصبحت حالة الفلاحين المهاجرين إلى المدن عبئاً ثقيلاً على الوضع الإجتماعي بسبب زيادة الكثافة السكانية وزيادة البطالة .
لم ترتقِ الطبقة البرجوازية إلى المستوى الذي يؤهلها أن تقود البلاد بسبب ضعفها في خلق الإستثمارات التي تستوعب البطالة وتطوّر الإقتصاد وتفرض إستقرار السوق . ولذلك أصبح الجهاز الحكومي مطمح كل فرد أن ينال منه موقعاً وعلى الخصوص جهاز القوات المسلحة الذي أصبح في ما بعد الوسيلة بيد المغامرين لإعتلاء السلطة بإنقلابات عسكرية عديدة ، رغم أنهم لم يكونوا مؤهلين للقيام بأي نشاط يخرج البلد من أزمته ، بل بالعكس فإن البلد عاش عقوداً في ظل حالة طوارئ وحرمان من الحريات وسوق أبنائه إلى حروب عديدة غير مبررة مما أفقدته مئات الآلاف من شبابه الذين في عمر الإنتاجية فتفاقمت الأزمة وتعمقت حتى فقد الشعب إيمانه في قدرته على تغيير الوضع .
تحسّبت القوى الإستعمارية لما سيؤول إليه الوضع لو حدث إنفجارٌ شعبي بقيادة وطنية بسبب تدهور الوضع . فأخذت تمدّ يدها إلى من كانوا يعملون ضد نظام الحكم السابق وتغريهم بالأموال والمساعدة ، وإستقبلت في عاصمتها ممثلي كافة التنظيمات السياسية المعارضة التي بصمت لها بالعشرة وقبلت المساعدة ، وكان الإحتلال .
بعد فترة قصيرة من الحكم المباشر بإدارة الحاكم المدني الأمريكي ( بريمر ) تمّ تسليم المسؤوليات إلى ( مواطنين عراقيين ) . نعم مواطنين يحملون الجنسية العراقية ، بالإضافة إلى جنسيات متنوعة أخرى يعجز الفرد عن تعدادها . ومن يوم تسلم هؤلاء النجباء السلطة ومعركة القطط ( عركة بزازين ) لم تنتهِ ، ولن تنتهي ، لأن كل واحد يريد الرغيف بكامله له ، لوحده وإلى الأبد . وأبناء هذا الشعب المبتلى يدفعون الجزية وكأنهم هم الغرباء في أوطانهم ولا يملكون إلاّ القبول بهذا أو ذاك ولو أن أهون الخيارين مرٌّ .
أفرزت نتائج الإنتخابات الأخيرة نتائج خطيرة إذ فازت في الحقيقة والواقع كتلتان تتصارعان على السلطة ، وهاتان الكتلتان في واد والشعب في وادٍ آخر حيث لايؤخذ برأيه بعد أن ( إنتخبهم ) في تلك ( الإنتخابات النزيهة جداً ) . فما الذي بقي للشعب غير التمنّي ( والدعاء ) أن يفوز بالسلطة الأهون من الشرّين .
كتلتان ينتميان إلى شريحتين متباينتين من البرجوازية الصغيرة تتصارعان . الأولى تريد العودة بنا إلى الوراء خمسة عشر قرناً ؛ وتطبيقات السنوات القليلة الماضية مثالٌ كيف عدنا فعلاً إلى الوراء أكثر من مائة عام ؛ حيث أعيدت سطوة الإقطاعيين وملاك الأراضي وشيوخ العشائر وأحييت النزعة القبلية والطائفية التي كنا قد تجاوزناها . والكتلة الثانية مهما قيل عنها أنها تمثل للبعث ، فإنها تدعي عدم رغبتها في العودة إلى العهود التي مضت سواءً القريبة منها أو البعيدة . ومصالح هذه الكتلة مرتبطة بمصالح قوى الإستثمار الصناعي والعقاري والتجاري ، ولذلك تتصف بنزوعها للسير إلى أمام . إن الفرز بين الكتلتين ومعرفة أيهما الأهون يعتمد على الوعي والمعرفة والإيمان والثقة بقدرة الشعب على النضال من أجل الأفضل . إن سبات الشعب وإنقياده بدون وعي لهذا القائد أو ذاك هو الأرضية التي تعتمد عليها الكتلة الأولى بإتخاذها الطائفية والدين الوسيلة لتحقيق مرامها والتشهير بالكتلة الثانية بوصمها بتهمة ( البعث الصّدّامي ) . أما الكتلة الثانية فبالإضافة إلى إتهامها بالتعاون مع الإرهاب وممارستها التهديد بالعنف إلاّ انها ولحد الآن لم تعلن براءتها من الأعمال الإجرامية التي وقعت في العهد السابق . إن هذه الكتلة حتى تدفع عن نفسها تلك الإتهامات عليها أن تعلن براءتها من جميع الجرائم التي أقترفت بإسم حزب البعث و تدين كافة الحروب المدمرة التي سيق إليها العراق . تدين جميع أعمال الإبادة الجماعية التي أرتكبت في كردستان والأهوار والدجيل . تستنكر جميع أعمال حرمان أبناء الشعب من حرياتهم الأساسية وتعلن العفو العام والشامل لجميع ضحايا الفكر والعقيدة . عليها أن تعلن برنامجاً وطنياً يحترم الدستور ويفرض قوة القانون ويحرم إستخدام السلطات الإدارية في الحلول محل المحاكم في الفصل في قضايا الخصومات .
لقد ذكرنا سابقاً إن الجرائم المدانة التي أرتكبت بإسم حزب البعث لم تكن بإرادة البعثيين الشرفاء الذين آمنوا بالشعب وحملوا عقيدة تعتمد العروبة والوحدة رسالة ، وقدموا من أجل عقيدتهم التضحيات سواء في سوح النضال أو سقطوا شهداء تحت التعذيب أو بالإغتيال أو الإعدام في عهد الطاغية . إن عقيدة هؤلاء الشرفاء لم تسقط ولن تسقط لرغبة حزب أو فئة أخرى . إنّ الذي سقط فعلاً هو الفكر الصدامي الذي سميناه ( Saddamism ) ، وهذا السقوط جاء بفعل قاعدة واسعة من أعضاء ومؤيدي حزب البعث الشرفاء قبل أن يسقط بفعل الإحتلال أو الإتهامات التي أطلقتها الكتلة الأولى كوسيلة لتشويه سمعة حزب البعث وإعتباره بعبعاً مخيفاً .
على القائمة العراقية ، حتى تتبوأ المكانة اللائقة كحزب وطني وتكسب ثقة الشعب أن تكون من الشجاعة الكافية وتعلن براءتها من أفعال الطاغية وتدينها .
ييلماز جاويد
الثورُ ... والسّكاكين
تناسى أولو الأمر الحكمة ( لو دامت لغيرك ما وصلت إليك ) وكأنّ مؤامرتهم في إصدار قانون الإنتخابات بالشكل الذي توهموا أنهم حافظون على مراكزهم وإمتيازاتهم ستكون فاعلة ويخلد حكمهم إلى الأبد . ذاكرة التأريخ تذكر مقولة نوري السعيد ( دار السيّد مأمونة ) ومع هذا فقد صار ما صار والكل يعرف ما كان مصيره ، و قول أحمد حسن البكر ، بعد إنقلاب 17/30 تموز1968 ( لن ينتكس الوليد ) ، ثم آمال الطاغية في توريث الحكم إلى بنيه ومن بعدهم إلى ذريتهم إلى أبد الآبدين .
الحكمُ في العراق من عهد السومريين إلى يومنا هذا لم يدُم لفئة . لكل زمان دولة ورجال ، فلِمَ التجبّر هذا ؟
قانون الإنتخابات قد صودق عليه في مجلس نواب يمثل الأطراف المسيطرة على المجلس والتي تمثل كافة الكتل السياسية التي تتظاهر بالخصام ، وتوافق الجميع على النصوص التي تأمّل كل طرف منهم أن الإنتخابات ستفرز النتائج التي تحقق له ما يصبوا إليه . ولكن تجربة جماهير الشعب للسنين السبع السابقة قد ولّدت وعياً لم يخطر على بال أولئك السياسيين لأنهم بالفعل معزولون عن الشعب و ليس لديهم التقدير لمعاناته . وعندما أفرزت الإنتخابات نتائج تخالف المتوقع منها ، إعترض عليها رئيس الوزراء الذي يعتبر الرأس التنفيذي لجميع الأنشطة في العراق . لم تكن عملية الإعتراض هذه من باب عدم تدخل السلطة التنفيذية في عمل المفوضية العليا المستقلة لحرف نتائج الإنتخابات لصالح كتلته ، وإنما كان إعتراضه بسبب إنقلاب السحر على الساحر ولذلك كان تصرفه كالضاري الذي يحاول غيره إستلاب صيده منه . إنه عملياً صراعٌ من أجل الكرسي .
قد تكون الإجراءات التي أتخذت للحصول على قرار التمييز في أعادة فرز الأصوات في بغداد أصولية ، وكذا قد يكون شطب أسماء 52 مرشحاً بالإستناد إلى قرار هيئة المساءلة والنزاهة ( إجتثاث البعث سابقاً ) موضوعاً متماشياً مع الدستور بإعتبار أن هؤلاء لم يكن لهم الحق في ترشيح أنفسهم لأسباب هم أعلم بها مسبقاً ، مما يمكن تفسيره بسوء النية إبتداءً . ولكن تبقى الإجراءات التي أتبعت لتطبيق قرار التمييز مسألة فيها نظر .
لم تكتفِ المفوضية العليا ( المستقلة ) في هذه الحالة بشطب أسماء ال 52 مرشحاً ، سواءً أكانوا قد فازوا بالعضوية أم لا ، بل توسع العمل ليتم شطب جميع الأصوات التي حصل عليها هؤلاء في الإنتخابات ، مما جعل العدد الكلي للمواطنين المشاركين في الإنتخابات أقل من ما كان عليه قبل إلغاء الأصوات التي حصل عليها المرشحون المستبعدون . مما جعل المفوضية في موقف إحتساب جديد للقاسم الإنتخابي ، وإعادة النظر في أحقية جميع المرشحين في الفوز بعضوية مجلس النواب .
إن تطبيق القرار التمييزي بهذا الأسلوب ليس مخالفاً للدستور فحسب بل لجميع مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين . إن المواطن الذي ذهب بحسن نية إلى القاعة التي أدلى فيها بصوته وقدمت له قائمة من جهة رسمية تحتوي أسماء مرشحين مستقلين كانوا أو منتمين إلى كتل ، ونفذ ما تطلبته التعليمات المبلغة : بالتأشير أولاً على القائمة والتأشير بعد ذلك إزاء الإسم الذي أراد إنتخابه ، إن هذا المواطن يجب أن يكون محمياً بالدستور كمواطن عراقيّ حسن النية ، فلا يجوز إلغاء صوته من أية جهة بدون إعتبار ذلك مخالفاً للدستور . إن القوى السياسية التي تقود بهذا الإتجاه لا بد من تذكيرها أن هذا العمل يتبعه يوم حساب ، يوم لا يكون هناك تواطؤ أو سماح أو توافق ، كما هذه الأيام .
لقد كان غرض التواطؤ في التصديق على قانون الإنتخابات إستبعاد ممثلي الكتل السياسية ( غير المرغوبة ) وضمان إستحواذ الكتل الكبيرة على مجلس النواب وتهيئة الظروف المناسبة للتوافقات فيما بينها لإمرار المشاريع ( المهمة ) من وراء ظهر الشعب . إن وجود ممثل واحد من تلك الكتل غير المرغوبة يجعل إمرار مثل هذه المشاريع ( المهمة ) صعباً . إن إعادة إحتساب قاسم إنتخابي جديد يضيف إلى العملية الإنتخابية عنصراً جديداً هو فتح المجال للمرشحين من الكتل السياسية الأخرى أن يكون بعضهم قد حصل على أصوات تعادل أو تفوق القاسم الإنتخابي الجديد فبهذا يكون هناك ثمة إحتمال فوز أسماء جديدة لمجلس النواب قد يكون لها التأثير على تكوين المجلس .
إن الصراع الحالي على الفوز بمقاعد مجلس النواب وما يحققه من مواقع لهذه الكتلة أو تلك قد لا يرضي أحد الأطراف ونبدأ دوامة جديدة ما دامت قيادات تلك الكتل لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة أو تخشى فقدان السلطة و... الثور عندما يقع ، تكثر السكاكين .
أحداثٌ إجرامية ، إن نسبناها إلى الهَمَج لإنتفضوا معترضين على إهانتنا لهم . جرائم تُرتكبُ في عراق اليوم و لا يمكن نسبها إلى أفرادٍ أو جماعاتٍ إرهابية لمجرّد كونهم إرهابيين أو لصوصاً أو قتلة محترفين . لا يمكن تنسيب هذه الجرائم إلى جماعات دينية تحت طائلة الجهاد في سبيل الله أو مقاومة الإحتلال أو النضال من أجل حرية العراق . بعد إجتيازنا سبع سنوات عجاف وإجراء ( إنتخابات عامة ) لمرتين لا تزال الجرائم اللإنسانية ترتكب بدون رادع رسمي من الحكومة . الحكومة المعترف بها على المستوى الدولي والمفترض إلتزامها بالأصول المتعارف عليها في أنظمة الحكم في الدول المتحضرة ، حيث يستقيل الوزير المختص أو حتى تستقيل الوزارة بكاملها بسبب أحداث في البلد تعدّ نسبياً بمقدار عُشر معشار ما يقع في العراق ، ولكن مع الأسف ليس لدى حكامنا أية ذرة من الحياء أو الشعور بالمسؤولية . إتّهم جاهلون بثقافة الإعتراف بالخطأ وكونه من الفضائل لأنهم ، على ما يبدو ، كانوا غائبين عند توزيع الله الفضيلة على خلقه ، فإلى متى سيدفع شعبنا المبتلى الأثمان الغالية بسبب تسلّط مثل هذه الحفنة على السلطة ؟
سبعُ سنين ، قتلُ الأبرياءِ فيها مباح ، التهجيرُ والإختطافُ وطلبُ الفدية مباح ، إختلاس الأموال العامة وسرقة الأموال الخاصة مباح . تفجيرات وهدمٌ وتدميركل شيئٍ ولا من رادع . والجماعة ليست متربعة على كراسيها فحسب بل بالإضافة إلى حمّامات الدم والجرائم التي خططوا لها أو إرتكبوها بصورة مباشر أو غير مباشرة ، فهم يتصارعون ، بل يتقاتلون ، بلا خجل ، من أجل السُّلطة لإدامة إمتيازاتهم .
سبعُ سنوات ، والجرائم تتوسع وتتنوع شكلاً . نبشُ القبور إضافةٌ نوعية للجرائم التي عانى منها الشعب ، والعبوات المتفجرة اللاصقة هي الأخرى تحديثٌ لفن تفجير سيارات الناس الأبرياء بدون وازع من ضمير . لقد تمت مؤخراً جريمة نبش قبور المسيحيين في مقبرة محمد السكران الواقعة على طريق بعقوبة القديم ، الجريمة النكراء التي قلما سجل التاريخ أحداثاً مماثلة لها بخَسّتها ، وتفجير ثلاث حافلات لنقل الطلاب الجامعيين من الحمدانية وبغديدا إلى الموصل ، إنما هي أفعالٌ لا تمتُّ إلى الإنسان أو الإنسانية بشيء مهما كان هذا الفرد أو الجماعة إرهابية .
ليست هذه الأفعال من أعمال المجاهدين ولا هي من أعمال الإرهابيين المحسوبين على البشر بل أنها جزءٌ أو بالأحرى شكلٌ من أشكال العمل السياسي ، يقف خلفها سياسيون ، سواءً كانوا سياسيين محليين أو عملاء لأطرافٍ وقوىً إقليمية أو دولية . وبالمال السحت الحرام تُشترى نفوس المرتزقة المنفذين . إن هذه الجرائم لها أغراضٌ بعيدة المدى ، فمن بعد ما تعرضت له الطائفة الصابئة المندائية من قتل وتهجير تمّ توسيع المخطط الإجرامي ليشمل المسيحيين بقصد دقّ إسفين بين مكونات الشعب العراقي . سياسة فرّق تسُد التي تستخدمها جميع الأطراف للحفاظ على مكتسباتها الذاتيةً ، الطائفية أو الدينية أو العنصرية . سياسة فرّق تسُد تعمل في إتجاهين ، تفرقة صفوف الشعب الواحد إلى شتات يسهل التعامل ضدها ، وكذلك تسوقها إلى التعصب الأعمى الذي يستشري بين أفراد كل جماعة ويدفعها إلى العمل الإنعزالي ، بدعوى ( أنّ الفرد لا تحميه غير جماعته ). إن التفرّق في الصف الوطني على مستوى الشعب مرضٌ يجب مكافحته بالتنوير وتعميق وعي الجماهير بخطورته مضافاً إلى مكافحة التيارات الإنعزالية التي يراد بها توسيع الخلافات بين الجماعات المتنوعة في فسيفساء الشعب .
فلنعمل جميعاً سويّة ، ولا ننصت إلى أقوال القائلين ( نحنُ و همَّ ) داخل المجتمع الواحد ، بل نزرعُ في نفوسنا ونفوس الجيل التالي عبارة ( نحنُ العراقيون ) ونتقدّم إلى الأمام ، فالتقدمية وحدها توحدنا وتأخذنا إلى المستقبل الوضاء .
ييلماز جاويد
_________________________________________________
ما هو كسبُنا في الإنتخابات ؟
دخلت قضية نظام الحكم بعد إعلان النتائج الأولية للإنتخابات مرحلة جديدة بمباشرة المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات النظر في الشكاوى والإعتراضات التي تقدمت بها الكتل الإنتخابية . هذه المرحلة قد تأخذ وقتا طويلاً ، ولكن مهما طالت فالنتائج النهائية التي يفترض نشرها لا تتغيّر جوهراً ، إذ تبقى الكتل الأربعة الكبيرة الفائزة هي ذاتها في الساحة السياسية ، وتتصارع من أجل تقاسم السلطة بالإستناد إلى ما حصلت كلّ واحدة منها من كراسي مجلس النواب من جهة وما يدعم موقفها من القوى الخارجية سواءً الدولية منها أو الإقليمية من جهة أخرى .
تتصف كل واحدة من هذه الكتل السياسية بالإستماتة للحصول على حصة الأسد من السلطة ، و لا يستبعد لجوء أيّ منها إلى العنف للوصول إلى غايتها . فبعد أن كانوا متفقين وتواطأوا على إصدار قانون الإنتخابات بالصورة التي حققت لهم الفوز وكسب المعركة الإنتخابية ضد التيار الديمقراطي واليساري ، أصبحوا الآن متضادين لبعضهم البعض ، وستكون قضية تشكيل الحكومة الجديدة في جرٍّ وعرٍّ قد تطول أشهراً ، ولا يتحمل تبعات الفراغ السياسي غير الشعب .
لقد تحقق النصر في الإنتخابات لهذه الكتل الكبيرة بسبب صياغة قانون الإنتخابات ، بصورة متعمدة ، على أساس مبدأ الدوائر الإنتخابية المتعددة وكيفية تحديد تلك الدوائر وحصصها من مجلس النواب . ويضاف إلى ذلك إستعمال الكوتة للأقليات وتقليل حصة العراقيين في الخارج والتعامل الإعتباطي بالأصوات الفائضة وتوزيعها على الكتل الكبيرة . إن الإجحاف الذي حصل بهذا الأسلوب لتزوير إرادة الناخبين حقق فوزاً لمن لا يستحقون بعكس حال كثير من المرشحين المحسوبين على قوى الديمقراطية واليسار.
لقد علِمَت تلك الكتل السياسية الكبيرة بالتحوّل الكبير الذي حصل في وعي جماهير الشعب من تجربتها خلال السنين الأربعة الماضية ولذلك وضعوا خطتهم لتحقيق فوز أكيد لهم وسدّ سبل الفوز لغيرهم . لقد كان إصدار قانون الإنتخابات بهذه الصورة مؤامرة إشتركت فيها جميع الكتل التي تدعي إختلافها مع الأخريات. مؤامرة تأجلت فيها الخلافات السياسية أثناء الإعداد للقانون بقصد جعل مجلس النواب القادم خالياً من الأصوات المعكرة لما ينوون القيام به .
أمّا وقد إنتهت الإنتخابات وستنشر النتائج النهائية في يوم ما ، فما هي ، يا تُرى ، الإيجابيات التي نلمسها من مجلس النواب القادم وبالصورة التي توزعت فيها الكراسي على الكتل الفاعلة في الساحة ؟ إن الوعي السياسي بين الجماهير الواسعة كان من القوة أن أفرز النقاط المهمة التالية التي لها الفعل الأكيد في تقرير مصير العراق :
1. إن مشاركة جماهير الشعب في الإنتخابات تعتبر إستفتاءً صوّتت الجماهير لمبدأ بناء نظام الحكم عبر صناديق الإقتراع ، رغم حصول الكثير من الجرائم التي كان القصد منها فرض الإحباط ومنعها من المشاركة في الإنتخابات .
2. إن التوازنات التي نتجت بين الكتل الكبيرة أظهرت قوة كل واحدة منها بحيث أصبحت كل واحدة منها رادعة للأخريات من إعادة عقرب الساعة إلى الوراء وفي نفس الوقت تكون كل واحدة مرتدعة من الأخريات ، وبهذا أصبح من الصعب أن تحاول أية قوة سياسية القفز إلى السلطة بإنقلاب عسكري أو مؤامرة ينفذها نفرٌ محدود من أي تيارسياسي .
3. مهما تشاءمنا من نتائج الإنتخابات فإنّ ظاهرة فوز الفكر العلماني داخل المجلس المقبل تبقى حقيقة لا يستهانُ بها ، وسيكون لها التأ ثير الكبير في تحديد إتجاه سير نظام الحكم في الفترة القادمة .
هكذا تكون حركة التاريخ بطيئة ، ولكنها تسير دائماً إلى الأمام .