| |
|
|
اليزيـديـون ( القسم الأول )
|
|
الخميس 16-04-2009 11:37 صباحا |
|
|
|
|
|
|
اليزيـديـون
عباس الحلو
2008
القسم الأول
ينتشر غالبية اليزيديون قرب مدينة الموصل في شمال العراق ، وبالذات في قضاء الشيخان الذي يُعتبر العاصمة الدينية لليزيدية ، ويقطن حوالي ثلث اليزيديون العراقيون في قرى جبل سنجار القريب من الموصل ايضاً . أما ثاني أكبر تجمع لهم فهو في سورية ( حوالي 70 ألف نسمة ) يتواجدون في قرى القامشلي (العامودة) وفي قرى حلب (عفرين) وفي غيرها . وثمة مجموعات صغيرة منهم تقطن في إيران ، أرمينية ، جورجيا وفي تركيا الذين أنتقل معظمهم منها هرباً الى بعض الدول الاُوربية أثناء العمليات العسكرية للجيش التركي ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في ثمانينات القرن الماضي ، فلم يبقى منهم في تركيا الاّ عددا قليلا لايزيد على الألف نسمة . يقدر تعداد اليزيدين في الوقت الحاضر حوالي 800 الف نسمة وقيل أقل من ذلك أو أكثر بكثير . يقطن حوالي 75% منهم في شمال العراق . وهم يتكلمون اللغة الكردية كلغة أصلية لهم ، ويجيد المتعلمون منهم لغة البلدان التي يقطنون فيها كالعربية والفارسية والتركية وغيرها . وقد عملوا خلال العقود الماضية على تغيير أسمهم في العراق الى الأيزيدين وتعني الموحدين , وقد شاركت وسائل الأعلام مؤخراً للترويج لهذا الأسم ، لما ما للأسم الأول من وقع سيء عند معظم العراقيين ، ولرغبة الأكراد في ضم أراضيهم الى منطقة الحكم الذاتي في العراق فساهموا في ترسيخ هذا الأسم الكردي للدلالة على تبعيتهم للأكراد ، غير أن الأسم الأول بقي إسمهم الذي يُعرفون به في بقية البلدان ولاسيما في سورية . وجاءت هذه التسمية بعد فترة قصيرة نسبيا من وفات عدي بن مسافر الذي أسلم على يديه أجداد أتباع هذه الديانة في يومنا الحاضر والذين كانوا يدينون بديانات مختلفة كالزرادشتية والمانوية وغيرها .
لقد أجمع المؤرخون على صحة نسب الشيخ عدي بن مسافر الى بني أمية . فهو الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان شيخ الطريقة الصوفية التي كانت تعرف بالعدوية . ولد الشيخ عدي سنة 467 هـ في قرية (بيت فار) الى الجنوب من مدينة بعلبك في لبنان . وكان أبوه مسافر بن إسماعيل مسلما تقيا ورعا وهو أول من لقن ابنه تعاليم الإسلام وطريقته الصوفية . أنتقل الشيخ عدي الى مدينة بغداد ملتحقا بالمدارس الدينية الأسلامية التي كانت تزخر بها بغداد آنذاك ، فدرس الفقه والشريعة وكان من زملائه في حلقات الدرس الشيخ عبد القادر الكيلاني المتصوف المشهور ، والذي يُعتقد بأنه هو الذي قام بتعليم وتلقين الشيخ عدي بعضأً من طرق التصوف .
كان للشيخ عدي ميول للتصوف ورغبة في الإنعزال ، فأنتقل الى منطقة في شمال العرق يقال لها (لاليش)Lalish تقع على بعد 50 كم شمال شرق الموصل في العراق وفيها مرقد الشيخ عدي الآن الذي هو كعبة ومزاراً لليزيديين .
أتخذ الشيخ عدي في تلك الناحية غاراً جعله مكاناً للأنزواء والأنعزال ، وكان يحيى على الفواكه التي تنموا في المنطقة ، ويقال انه كان يغزل وينسج ثيابه بنفسه من القطن الذي كان يزرعه في مزرعته . وكان قد قصده بعضاً من الذين كانوا يقطنون تلك النواحي لما وجدوا فيه من تقوى وصلاح ، فدعاهم للأسلام فأستجاب له الكثير منهم ، وأشتهر بينهم بالشيخ عدي العادي أوالكاري . وضل يعض الناس ويعلمهم تعاليم وأحكام الأسلام فأتبعه مع توالي السنين خلقاً كثيراً . لقد كان أتباعه قبل ذلك على دين مخاف لديانة التوحيد التي كانت متاخمة لهم في مناطقهم . فكان وما يزال يقطن تلك المناطق الأشوريون والكلدانيون الذين يدينون بالديانة المسيحية . الا أن أتباع الشيخ عدي الذي أسلموا على يديه ، لهم معتقداتهم الخاصة التي توارثوها عن الأجيال ، أبرزها الزرادشتية والغلوصية والتي بقيت تلازمهم ولم ينسوها بأسلامهم .
كان شائعا بين سكان تلك البقاع السب واللعن ، فأمرهم الشيخ عدي بترك الشتم واللعان وعدّه إثما كبيراً ، وروي أن منعه اللعن شمل حتى إبليس مبالغة منه في ردعهم ، ونجح الشيخ عدي الى إبطال اللعن عن أي شخص ووجههم الى العبادة والتقوى ، وقد تطور ذلك الأمر عندهم بالتقادم حتى أعتبر اليزيديون لعن إبليس حراما ، ثم تطورت هذه الفكرة بعد موت الشيخ عدي ، لتصبح عقيدة راسخة لها فلسفة كلامية خاصة ، حتى أن البعض منهم أعتقد بأن الشيطان شريك الله في خلق الأنسان . ثم ليصبح مجرد ذكره من المحرمات ، بل حُرمت كل الكلمات التي تحتوي من بين حروفها على حرف( الشين ) مثل شر ، شط وغيرها ، بل حتى الكلمات التي لها إيقاع صوتي مشابه لكلمة شيطان مثل قيطان وغيرها ( رش/24 ) ، كما حُرمت كلمات اللعن مثل ملعون ، لعنة ، نعل ( رش/ 24 ) .
كان الشيخ عدي أمويا يحرص على الدفاع عن دولتهم التي غّيبها بني العباس ، وكان شديد الدفاع عن يزيد بن معاوية ثاني خلفاء بني أمية ، لتشكيك أكثر المسلمون آنذاك في صحة إسلامه بسبب سوء حكمه بين المسلمين ولأستباحته لحرمات الله . ومما ذكره الشيخ عدي في هذا المجال ، بأن يزيد بن معاوية إمام ابن إمام وليّ الخلافة وجاهد في سبيل الله ونقل عنه العلم والحديث الشريف وأنه بريء مما طـُعن فيه من (الروافض) من أجل قتل الحسين بن علي (رض) . ويروون بعض الروايات التي لايعرف مصدرها ، ولعلهم يحاولون بها أضفاء القدسية على يزيد بن معاوية ، فيحكون بأن لمحمد(ص) كان خادم يدعى معاوية بن أبي سفيان ، وبينما كان معاوية يقص للنبي شعر رأسه جرحه ، فخاف معاوية أن يسيل دم محمد (ص) على الأرض فأكب يلعقه بلسانه ، فسأله محمد (ص) متعجبا ماذا تفعل ؟ فأجابه : لعقت دمك الطاهر خشية أن يسيل على الأرض ، فعاتبه محمد(ص) وقال أخطأت في فعلتك هذه ، وستكون ذريتك عدوة لأمتي ، فأقسم معاوية على ألا يتزوج أبدا ًولم يكن له بنون من قبل لكن الله سلط على معاوية عقارب لدغته فجزم الأطباء بضرورة زواجه وإن لن يفعل لقي حتفه،, فأشترط معاوية أن يزوجوه من امرأة عجوز في سن الثمانين ليأمن منها الحمل ، فلما حل الصباح بعد ليلة الزفاف إذ هي في الخامسة والعشرين بقدرة الله أكبر ! فحملت بعد ذلك وولدت يزيد . ويذكر ( التونجي ) بأن الشيخ حسن بن بندار قد زار اليزيديين ، فسأله أحدهم ماقولك في يزيد ، فقال ماذا أقول فيمن ذكره الله في كتابه في عدة مواضع حيث قال ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء )(35/1) , وقال أيضاً ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ) (79/19) , فقال فأكرموني وقدموا اليّ الطعام الكثير .
ومن كلام الشيخ عدي هذا أنطلق اليزيديون في حب يزيد بن معاوية ، فقد تقبلوا رأي الشيخ عدي أولا ، ثم غلوا وتطرفوا في إعتقادهم بعد ذلك حتى جعلوه وليا ثم نبيا ومازالوا يتمادون في حبه مع مر السنين حتى أتخذه بعضهم الهاً من الآلهه السبعة .
مات الشيخ عدي سنة 557 هـ تاركاً رسالة في ( إعتقاد أهل السنة والجماعة ) وهي رسالة في التوحيد وكتاب ( ترتيل الوحي ) وقيل أنه كان حسن الإسلام حافضا للقرآن عاملاً به ، ودفن هناك ليكون قبره بعد حين كعبة لليزيديين حيث يؤدون مناسك حجهم عنده . أضطرب القوم بعد وفاة الشيخ عدي وبدأت تعتري طريقة الطائفة العدوية الأنحراف ، فتسربت اليها أثار وعقائد قديمة كانت كامنة في النفوس ومحفوظة في العقل الباطن بعثها من مرقدها ذلك التحول الجديد ( وفاة الداعية الأول ) بعد أن كادت تدفن مع الأجداد . وهو مايحدث في معظم الأحيان عند الكثير من الطوائف ، لاسيما تلك التي لاتحسن لغة القرآن ، فيكون الداعية هو المصدر الوحيد لمعرفة ديانتهم الجديدة وتعاليمها ، وبوفاته يكون من السهل ان يطرأ على الدين أو العقيدة التغيير والتبديل . وهذا ماحدث أيضا لليزيديين بعد وفاة الشيخ عدي فبدءوا شيئا فشيئا ينبشون تراثهم ويستحضرون بعض العبادات المجوسية الزرادشتية ليضيفوها الى دينهم الجديد .
كان أول من خلف الشيخ عدي هو أبن أخيه أبو البركات صخر بن صخر بن مسافر ، ونُقل عن الشيخ عدي أنه قال ( أبو البركات خليفتي ) . وعندما مات أبو البركات خلف أبنه عدي (ت 615 هـ) الملقب بأبي المفاخر، وكان رجل صالحاً كأبيه وكان يعض الناس كثيرا . وبعد عدي خلفه أبنه شمس الدين أبو محمد المعروف بالشيخ حسن أبن أبي البركات (591-644)هـ والملقب بتاج العارفين وهو صاحب مصحف (رش) أي الكتاب الأسود وفيه تعاليم الطائفة ومعتقداتهم ، ومن مؤلفاته أيضا كتاب (الجلوة لأصحاب الخلوة) و(محك الإيمان) وكتاب (هداية الأصحاب) والتي ضمنها عقائد جديدة في التصوف . وقيل أن مصحف (رش) وكتاب (الجلوة) كان قد كتبهما الشيخ عدي وهو قول غير دقيق . وفي عهده وعلى يديه بدأت الطائفة بالأنحراف بعقائدهم وتحولوا الى الأعتقاد بإمامة يزيد ثم بألوهيته وأشركوا معه عددا من الآلهه وشرعوا بعبادته وعبادة سائر الهتهم ، وتقديسهم لإبليس . وبعد مقتل حسن بن أبي البركات جعلوه ثاني الألهه السبعة عندهم ويسمى ( دردائيل )(رش/3) ، إذ كان اليزيديون يعظمونه كثيرا ، وبلغ تعظيمهم له ، أنه قدم عليه واعظ ، فوعظه حتى رق قلبه وبكى وغـُشي عليه ، فوثب الأكراد على الواعظ فذبحوه ، ثم أفاق الشيخ حسن فرأه يتخبط في دمه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : ولا أيش هذا الكلب حتى يـُبكي سيدنا الشيخ ؟ . وقد قُتل حسن بن أبي البركات ، قتله بدر الدين لؤلؤ الأرمني صاحب الموصل خنقاً . وبقت طائفة من اليزيديين يعتقدون بأن الشيخ لابد وأن يرجع وهم ينتظرون خروجه .
أن الكثير من المذاهب والنحل سرعان ما تتغير وتتبدل لعوامل كثيرة ، أهمها ذهاب الداعية الأول وحلول خلفا له أوتغيير بعض النصوص المكتوبة وتأويلها على حسب الأراء والأهواء أوبسبب الجهل باللغة التي كُتبت النصوص بها فتكون الأفواه هي مصدر التفسير والتأويل لما قد يُشكِل على فهم الأتباع ، والأفواه تزيد وتنقص . وقد ظهرت على مر التأريخ العشرات من هذه النحل والمذاهب التي أنبعثت من الطرق الصوفية أوالمبادئ الكلامية أو الأراء الفقهية . فكان يكفي أن يظهر بين العامة زاهد عابد متصوف صاحب طريقة ، حتى يتسابق الناس الى الألتفاف حوله مأخوذين بمواعظه ونصائحه ليتلقفوها بآذانهم وينشروها بأفواههم ويضيفونها الى الدين الأسلامي أو الى دينهم الخاص الذي يؤمنون به . وهذا ماحدث للطائفة اليزيدية ، التي كانت الطائفة العدوية في بدايتها ولتنتهي بديانة جديدة هي اليزيدية ، فكان كل ما مات أحد الشيوخ عندهم نصبوا أحد المريدين مكانه ليتم رسالة شيخه ويحافظ على ديمومة الطريقة . الآ أن المريد الخلف كثيرا ما ينحرف قليلا أو كثيراً لإسباب كثيرة أهمها عدم توفر نصوص كافية أو واضحة يمكن أن تقدم أجوبة لأسئلة التابعين ، وبتوالي الأزمان تبدأ تُمسخ الأسس الأصلية للعقيدة أو الطريقة ، فيتيه الناس ناسين المبادئ السابقة . وقد أزدادت معتقدات الديانة اليزيدية بوجود هؤلاء الخلفاء الذين أردفوها بما أقتضته مصلحتهم وتوافق مع أهوائهم ، وأضافت العامة ذلك كله الى ماورثوه من معتقدات قديمة ، فظهر دينهم بقالب لاهو ذلك المعتقد الموروث ولا هو الأسلام المكتسب .
|
|
|
|
|
|
|
|