| |
|
|
التيار الصدري أزمتا الهوية والأهداف / القسم الثاني
|
|
الأحد 19-04-2009 10:27 صباحا |
|
|
|
|
|
|
للباحث عباس الحلو / تورنتو
القسم الثاني
كنتُ أقف بجانب السيد ( ع ن ح ) في تموز أو آب 1992 في مدرسة آية الله المدني في مدينة بعقوبة ، وكان ذلك اليوم هو الاحتفال التأبيني للمدني ، فأنه كان قد مات رحمهُ الله . وكانت المدرسة قد أُعدت أعداداً حسناً وقد رُتبت لإستقبال حشداً كبيراً كان متوقعاً للحظور . وقد لفت نظري وجود رجل باللباس الديني لايبعد عنّا كثيراً ، ويبدو أنه كان مع ( ع ن ح) قبل وصولي . . وما كنتُ لأسأل عن ذلك الرجل لولا شحوب وجهه الملفت للنظر مع إصفرار شديد في عينيه ، ما لفت إنتباهي أيضاً هو تنقل عينيه بقلق شديد ، ينتظر شيئاً ما ، أو كأنه يحاول ان لاتفوته شاردة او واردة تحدث في المكان . كانت لحيته قصيرة ، وهي أقصر مما نجده في ذقون رجال الدين . فلا يتعدى عمرها العشرة أيام على أكثر تقدير . . قال ( ع ن ح ) وهو يقترب بوجهه من أُذني أنه السيد محمد محمد صادق الصدر ، ثم أكمل ، قد غادر السجن منذ حوالي الشهرين بعد حجز استمر ثمانية اشهر . وقد اُصيب في السجن بمرض ( . . . ) ولما سائت صحته أُخرج من السجن . لم أُعير للامر إهتماماً ، كنتُ أراه لأول مرة وكانت الأخيرة . غير أن إسمه حظرني لعلمي بأنه هو الذي أستلم جثمان محمد باقر الصدر بعد أن تم إعدامه من قبل السلطات العراقية . وكنت اعلم بأنه لم يتبقى من عائلة آل الصدر في العراق آنذاك إلا هذا الرجل في النجف والسيد حسين اسماعيل الصدرفي مدينة الكاظمية ، فقد غادر الاحياء منهم خوفاً من بطش النظام . فلم يكن الصدر ( وهنا نقصد محمد محمد صادق الصدر ) مشهوراً في حينه ، لاعلى النطاق الشعبي ولا في دوائر الحوزة العلمية لعدم التحاقه بدروسها خلال مسيرة حياته إلا اللُمم .
كان الحديث بينه وبين ( ع ن ح ) حديثاً حميمياً خالياً من أية تكلفة ، وكان يوحي بأن الأمر قد تم ومنذ فترة ، وأن الصدر بدأ يعد العدة للبدء بإنشاء حوزة دينية عربية جديدة كما أراد صدام .
محمد محمد صادق الصدر (1943) من أسرة دينية عُرفت بالعلم والشرف والوطنية وهي تفرعت من أُسرة آل شرف الدين العائلة العلمية اللبنانية المعروفة . تخرج من كلية الفقه في النجف عام ( 1964) ثم درس على يد آية الله محمد باقر الصدر ، ويذكر بأنه قد حصل على إجازة الإجتهاد منه . . وبعد وفاة الصدر عزل نفسه عن الحياة الأجتماعية ومارس تقية مشددة لمدة تسعة سنوات ، كما وصفها هو في لقاء الحنانة ( أحد أحياء النجف الذي كان يقطن به الصدر ) . هذا كل مايذكر عن دراسته . . مع هذا النوع من الدراسة فإننا نستبعد أن يكون الصدر قد حصل على لقب آية الله العظمى ولا لقب آية الله ، ولا حتى لقب حجة الإسلام . وقد حرصنا في بداية الدراسة على شرح معاني هذه الألقاب وكيفية الحصول عليها حتى نُمكن القارئ الذي ليس له إلمام كافِ بالحوزة والدراسة فيها ، أن يشاركنا هذا الرأي ، أو بالقليل يكون على بيّنة مما نستنتجهُ . ولم تشر أياً من المصادر التي كتبت عنه على إنه كان قد تخرج على أيدي أساتذة الحوزة المعروفين ، واذا ماكان قد حضر في بعض حلقات درس لاتعني تخرجه منها أو حصوله على اجازات من تلك الحلقات او شيوخها . ثم ان الصدر رحمه الله كان قد التحق بكلية الفقه عام 1960 وكان لايتجاوز السابعة عشر من العمر ، مما يجعل من المستبعد ان يكون قد حصل على تعليم حوزوي يذكر بسبب صغر سنه ، إضافةً الى انه لو كان قد التحق بالحوزة لما كان قد تركها ليلتحق بكلية أكاديمية تمنح خريجيها البكالوريوس باللغة العربية . . ومناهج هذه الكلية هي ليست مناهج الحوزة التي يتدرج فيها حتى حصوله على لقب ( آية الله ) . أما إجازته من الشهيد محمد باقر الصدر فإنها لاتُغطي في كل الأحوال متطلبات الحصول على ذلك اللقب ، إذ يتطلب هذا اللقب دراسة العديد من المواضيع وتقديم الكثير من البحوث لشيوخه ولأساتذته ، ولايمكن لأُستاذ واحد أن يمنح كل تلك الاجازات . أعتزل الصدركما قال هو في داره مابين (1980– 1989) ولهذا لايمكن فيها ان يكون قد تلقى دراسات حوزوية إلا دراسات ذاتية وتأليف كتب قد طبعها فيما بعد . أما قوله ( لقاء الحنانة ) بأنه قد تتلمذ على يد أحد ( كسبة ) النجف والذي أعتبره استاذه لمدة عامين ، هذا من غريب القول ولا نود التعليق عليه .
إننا لاننكر علمية الصدر ، فقد أصدر بالفعل العديد من المؤلفات ، ولكن الأمر يختلف عن اللقب الذي يحمله ، وهذا لايخفى على القارئ ، فأن الكثير من المؤلفات القيّمة كانت قد صدرت من مؤلفين لم يحصلوا على أية شهادة أكاديمية ، وهي في كل الأحوال لن تكون كافية لحصولهم على تلك الشهادات . إذ يبقى التأليف شيئاً واللقب العلمي شيئاً آخر .
بعد قليل حدثت جلبة كبيرة في مدرسة المدني ، دخل روكان عبد الغفار رزوقي تحيطه مجاميع من الحراسات التي توزعت في أرجاء المكان وبشكل يبدو مدروساً بدقة . رزوقي كان ممثلاً لصدام حسين لحضور ذلك التأبين وكان صدام قد استحدث مديرية لشؤون العشائر آنذاك جعل على رأسها رزوقي هذا . جلس رزوقي في صدر القاعة ، بعد قليل تقدم السيد الصدر مصافحاً ، ولم يُحرك رزوقي عجيزته ، بل مدَّ يده وعينيه تتجولان في مكان آخر . . لقد كان موقفاً للصدر لا يُحسد عليه ، وما كنت أجد سبباً لقيام الصدر بذلك فهو غير ملزم أو مضطراً له ، فالإحتفال كان يظم المئات من الحاضرين . إلا إذا كان الصدر قد حاول إثبات حضوره أو إستثمار تلك الفرصة لإرسال رسالة معينة . ( الاحتفال ذلك موثق بفيلم كامل في حوزة أصحاب الشأن ) .
لم يكن ل ( ع ن ح ) أو لغيره القدرة على اختراق الحوزة التقليدية رغم ضعفها آنذاك ، فهي خبيرة دائماً في أن لاتكون في زاوية يمكن حصرها فيها من قبل الحكومة العراقية . . فقد إكتسبت الخبرة الكافية في هذا الشأن مما جعل الحكومات المتعاقبة تنفض يدها من تلك المحاولات والعروض المالية لاتغريها ، ووعود الدولة بدعم الحوزة وتطويرها لايلاقي قبول الحوزة إذ تعتبره تدخلاً في شؤونها .
الصدر اعتبر هذا العرض مغرياً لطموحاته ، فأن الدولة قد وعدت بتقديم كامل الدعم المالي والامني لحوزة عربية جديدة . كما وعدت بأنها سوف لن تتدخل على الإطلاق في أي من شؤون الحوزة . وهي تعد بأن لاتفرض عليها أية قناعات وتعد أيضاً بأن لاتطالبها بأن تدعم سياسة الدولة أو الترويج لها . رغبتها تنحصر بأن تخرج الحوزة من زعامة وسيطرة الاجانب لتجعلها حوزة عربية عراقية بحتة . والصدر كان يبحث عن أي دعم لتحقيق طموحاته الكثيرة ، منها طبع مؤلفاته مما يُتيح له تقديم نفسه شعبياً ، إقامة حوزة عراقية تبعد عنها سيطرة مراجع الدين الاجانب ، وهو مايرغب ويطمح له لسببين ، أولهما تلك الامنية التي كان يتمناها جميع المراجع العراقيون في توليهم شؤون الحوزة بأنفسهم . وثانيهما تحقيق طموحه بالحصول على الالقاب الحوزوية اللامعة دون الحاجة الى اجتياز مراحل الدراسة فيها . . عندها سيدفع اتباعه لتلقيبه باللقب الحوزوي الذي يرغب بحمله ، ثم لينتشر شعبياً بذلك اللقب والناس بطبيعة الحال لاتُدقق في تلك الألقاب لاسيما وأن أسم عائلته له حضوره في أذهانهم فهو يقترن دائماً بالعلمية والوطنية ، وهذا ماتم عندما انتشرت مؤلفاته في بداية 1993 وبشكل ملف للنظر جاعلاً لقب ( آية الله العظمى ) يسبق أسمه . .
الحوزة التقليدية كانت في أسوء حال لها ، فهي تحت ضغط الحكومة العراقية ، وبشكل متواصل لأكثر من عقدين من الزمن ، فما عادت الدولة تمنح الاقامة للطلبة الاجانب الدارسين فيها ، ثم الغت الاعفاء من إداء الخدمة العسكرية للطلبة العراقيين ، فالحوزة كانت تكاد ان تكون خالية من الطلبة تقريباً ، فقد هاجر الكثير منهم عائدين لبلادهم أو انتقالهم لحوزة قم التي فتحت ابوابها للطلبة الاجانب بما حظيت به من دعم بعد قيام الدولة الاسلامية في ايران .
هذا الهيكل المنهار الذي كان يُسمى حوزة ، كانت فرصة الصدر الذهبية للسير في مشروعه لتأسيس حوزة موازية يديرها بنفسه ورغم ضعف الحوزة التقليدية كما وصفنا إلا أن من يتزعمها كان قمة كبيرة لايمكن المساس بها أو الخروج عليها . . وهو آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي ، الذي وصفه جميع مراجع الدين الشيعة في العالم بأنه أعظم من تزعم الحوزة منذ تأسيسها قبل (1000 عام) ، وهذا ما كان عقبة كبيرة أمام الصدر ، لكن سرعان مايبتسم له الحظ ، إذ ينتقل الخوئي الى الملأْ الأعلى ، تلك القمة التي ما كان ليجرء أن يُقيم حوزته بوجودها . . لم يكن في الحوزة بعد رحيل الخوئي سوى مرجعين ما كانا مؤهلين لتولي زعامة الحوزة لو كانت في أيام إزدهارها . مرجعان يتنافسان على الزعامة وهما آية الله عبد الأعلى السبزواري وآية الله علي السيستاني ، وسرعان مايتزعم السيستاني الحوزة وبدون منافس بعد وفاة السبزواري بوقت قصير .
كل تلك الظروف جعلت طريق الصدر ممهداً وسهلاً للبدء بمشروعه لاسيّما وان اسمه صار معروفاً بعد إمتلاء رفوف المكتبات الارصفة بمؤلفاته . . وهنا يجدر بنا ان نقف وقفة قصيرة . .
كان جميع انصار الصدر والمدعين بذلك ينكرون اليوم دعم الحكومة العراقية للصدر آنذاك وينكرون وجود اية علاقة كانت له بالنظام . . غير انهم قد يكونوا عاجزين تماماً عن الإجابة للاسئلة التي يمكننا طرحها عليهم . . منها ، لقد كان اسم الصدر كما هو معروف اسماً يكاد ان يكون محظور التداول لإرتباطه بتنظيم حزب الدعوة ( خطئاً ! ! ) فكيف استطاع الصدر من طرح نفسه بهذه القوة في عام 1993 ؟ . وذلك بطبعه لمؤلفاته ولتُنشر في جميع المكتبات ؟ . وأيضاً ، ندرك جميعاً بأن طبع أي كتاب ما كان ليتم إلا بموافقة وزارة الإعلام فكيف استطاع الحصول على تلك الموافقات ؟ علماً بأن الوزارة المذكورة كانت قد أمتنعت عن منح اية موافقة لطبع كتب الشيعة ولأكثر من عقدين من الزمن . . نقطة اخرى مثيرة لسؤال . . ندرك تماماً الكُلف المرتفعة لطبع الكتاب أثناء فترة الحصار التي مرَّ بها العراق ، والذي أدى الى إرتفاع رهيب في اسعار الطبع ، فكيف توفرت له الامكانية المالية ، وبشكل مفاجئ ليطبع أثني عشر كتاباً خلال ثلاثة أشهر فقط ؟ والجميع يعلم بضيق ذات اليد التي كان يُعاني منه الصدر رحمه الله . ثم كيف سمحت الحكومة العراقية بإقامة حوزة دينية جديدة ؟ وهل كان ليجرء الصدر او غيره على ذلك ؟ لاسيما وان السلطة آنذاك كانت تبطش بكل من يفكر بالألتحاق بالحوزة ، وكيف سمحت للطلبة الاجانب بالإلتحاق بحوزة الصدر مرة اخرى ومنحهم الاقامة الاصولية ؟ بينما واصلت رفضها لمنح الاقامات لطلبة الحوزة التقليدية . . وكيف عاد قانون الاعفاء من الخدمة العسكرية الاجبارية لطلبة الحوزة الجديدة وبتوقيع صغير من الصدر ؟ أسئلة لاتجد جواباً لدى أتباع الصدر الذين ينكرون تلك العلاقة .
نؤكد هنا بأننا لانقف في أي صف ، ولم يطرأ في بالنا على الإطلاق التقليل في هذه السطور من شأن أحد أو تعظيم أحد ، وقد أبعدنا أية عاطفة أو هوى جانباً عند كتابتها ، لنجعل منها سطور تلتزم بالموضوعية ولا غير ذلك . . ( ولنخرج القارئ من الظنون فأن الكاتب كان وما زال تربطه بآل الصدر وشائج المحبة وعلاقات وصلات مازالت قائمة كما أن الانامل التي تخط للقارئ هذه السطور مازالت تحمل آثار الصعقات الكهربائية التي تعرضت لها في دهاليز الاجهزة الامنية للنظام السابق ) .
هل كان الصدر عميلاً لصدام ؟
رجل دين يُنفذ رغبات السلطة ؟
الجواب إطلاقاً لا . . بل كان الامر إلتقاء مصالح . . مصالح الصدر ومصالح السلطة . . صدام كان يسعى لتنقية الحوزة تماماً من أي تواجد أجنبي ، وتحريرها من هيمنة مراجع الدين الايرانيين . وهو يسعى بعد احداث 1991 واستخدامه المفرط للقوة الى إرضاء الشيعة ومحاولة الالتفاف على غضبهم وأمتصاص نقمتهم بإعادة الحياة للحوزة وأحتضانها وإطلاق بعض الحريات الدينية والتقرب للشيعة بإطلاق صوت الصدر ، الاسم الذي أقترن عند الشارع الشيعي بالنضال والتضحية ! . فيبدو النظام بهذه الخطوة وكأنهُ يعتذر لهم عن إعدام محمد باقر الصدر .
الصدر لم يجد في ذلك العرض أي بأس فهو دعم من الدولة غير مشروط وليس عليه تقديم تعهدات أو إلتزامات معينة للدولة . . وهو يلبي طموحه في ان ترى جميع مؤلفاته النور ويؤسس لحوزة جديدة كان يتمناها هو ومعظم مراجع الدين العراقيون ، وسيُحقق لنفسه ألقاباً دينية كان يسعى للحصول عليها . وربما كان قد بيّتَ أمراً ما وأظمر نوايا معينة !.
كانت تعم الشارع الشيعي رغبة كبيرة لإقامة صلاة الجمعة ، وكان معظمهم لايجد مبررات الحوزة كافية في عدم إقامتها . . وكان الصدر مثله مثل الكثير من مراجع الدين العراقيون ، يُنادون ويدعون لإقامتها ، ولكن تلك الدعوات والندوات كانت تصطدم دائماً بمعارضة حوزة النجف لأسباب لانجد ضرورة لمناقشتها الآن .
لاشكَ بأن حديث صدام الذي دار خلال زيارة آية الله المدني قد نُقل إليه بحذافيره ، وإذا ما أراد الآن إقامة صلاة الجمعة فهو ليس بالضرورة بحاجة الى موافقة السلطة ، بل ربما سيلقى ذلك ترحيباً واسعاً من السلطة وترحيباً واسعاً أيضاً من الشارع الشيعي إضافةً لتوجيه ضربة موجعة للحوزة التقليدية أصلاً ، والى كسر هيبتها لصالح حوزته التي بدأ بوضع لبُناتها الاولى ، إذاً كان الإقدام على إقامة صلاة الجمعة ليس تحقيق رغبة قديمة للصدر فحسب بل ستُحقق له الكثير من المكاسب التي كان يسعى لها في آن واحد .
وقف الصدر في مسجد الكوفة الشهير في اول صلاة جمعة ، وكان قد حضّرَ لها جيداً ، فأجتمع حولهُ العشرات الذين عظّموا الصدر وهو يضع الكفن الابيض على كتفه ، وكان يقصد بذلك أمراً ، بينما فهم بعض الناس أمراً مغايراً تماماً . . وما زالوا . . فقد أعتبروا الكفن الابيض كان بمثابة تحدي الصدر للنظام ، وأنه يُقيم صلاة الجمعة حتى ولو كلفهُ ذلك حياته . . أنه التحدي والجرأة والتضحية . . هكذا فُهم ، لكن الامر ليس كذلك على الإطلاق ! .
كان عرفاً قديماً لدى مراجع الدين في الحوزة ، فعندما يخرج مرجعاً ما على تعاليم الحوزة أو أنه يطرح أفكاراً وعقائد دينية تُعارض تلك المتداولة في الحوزة فأنه يلبس الكفن الأبيض إشارة منه في أنه يتبنى تلك القناعات حتى لو كلفه الامر دفع حياته ثمناً لها . ولا يعني على الإطلاق بأن الحوزة ستسعى بعد ذلك لقتله . . بل ستسحب إعترافها به وستعلن بأن ذلك المرجع لم يعد محط ثقة الحوزة مايجعلهُ يفقد جميع مقلديه وشعبيته وإجازاته التي حصل عليها . . وهو الموت بحد ذاته لمرجع كان قد قضى جُلَّ حياته في الدراسات الحوزوية . . هذا ما فعلهُ آية الله العظمى محمد كاظم الخراساني عندما لبس الكفن الابيض في عشرينيات القرن الماضي عندما نادى ( بولاية الفقيه ) في الوقت الذي كانت الحوزة ملتزمة تماماً بمبدأ ( التقية ) . . وهذا ماحصل أيضاً عندما لبسه آية الله العظمى محمد حسين فضل الله عندما عاندهم في مسألة ( العصمة ) مما أقتضاه الامر الى ان يهجر النجف المدينة التي وُلد فيها ولينتقل الى لبنان وليبني حوزة يشرف عليها بنفسه ، غير أن الحوزات الاخرى لم تعترف بها رغم علمهم بفضل وعلم وفقه فضل الله ، بل مازال يُعاني من جفاء حزب الله وحركة أمل الشيعيتين رغم إدراك قيادات تلك التنظيمات بأن فضل الله قمة علمية بذاته . . وهكذا فعل الصدر ، أعلن خروجه عن تعاليم الحوزة بإقامة صلاة الجمعة ، ولم يكن يقصد تحدي السلطة إطلاقاً .
تلقت جموع المصلين والشارع الذي يجهل مثل هذه المفاهيم ، بأن الرجل وضع الكفن تحدياً للسلطة وأنهُ يكسر هيبة الدولة ، وتُمثل لهم البطل الذي خرج على السلطان الجائر . . فكان ذلك كسباً شعبياً قد حصل عليه الصدر من حيث لم يحتسب . . مازال بعض خطباء التيار الصدري يضعهُ على كتفه وهو لايدرك بلا شك معناه . فلم يعُد وضع الكفن ضرورياً حتى ولو فُهمَ منهُ كِلا المعنيين ، الخاطئ أو الصحيح . . فأن حوزة النجف قد أمرت الآن بإقامة صلاة الجمعة فيسقط واحداً من تلك المعاني . ويسقط المعنى الآخر بعدم وجود ذلك السلطان الجائر . .
لقد إستأنس الشارع بذلك الكفن . . وهتف له كثيراً وصفق له . . لكنهُ ماكان يدرك بأنهُ ماهو الاّ إهانة للحوزة التقليدية ، وكسر لشوكة السيستاني الذي كان يتزعمها . . وهو خروج على إرادة جميع مراجع الدين المتواجدين في العراق . .
وقد حصل الإلتباس لديهم مرةً أخرى والفهم الخاطئ ذاته ، عندما تلقت جموع المصلين بشغف هتاف الصدر ( كلا . . كلا أمريكا ) . . وما زالوا . . ! .
|
|
|
|
|
|
|
|