| |
|
|
راء وسط الحب قصة قصيرة للقاص والشاعر كريم شعلان
|
|
الثلاثاء 23-06-2009 03:04 مساء |
|
|
|
|
|
|
استلقيت على ظهري واشرتُ محدّدا مكان الألم ، وأستقرّ أصبعي على منتصف القلب ، بينما إبتسامة الطبيبة كانتْ أكثر تأثيرا من كلّ ذلك وهي تضع سمّاعتها وتهزّ رأسها بودّ لتهوّن عليّ الألم والقلق الذي تسببه هذه الحالات .. راحتْ تنقل سماعاتها ببطيء على مساحة صدري وهي تسألني عن نوع الألم وفترة بداياته وهل ان احد افراد عشيرتي كان يعاني من مرض القلب ، أسئلة كثيرة وأنا أجيب باختصار متمعنا يديها البضتين وارتفاع صدرها مع الشهيق والزفير ورقص خصلة شعرها الاشقر بتأثير هواء المكيّف ، كانتْ تبدو وكأنها لاتسمع إجاباتي المرتبكة
وكنت كمن يُحدّث نفسه ، وهي تضع السمّاعة وتتأمّل وكأنها تذهب بعيدا ، ثم تنظر مركزّة بعينيّ وتشيح عنّي لشرود غامض . تكرر ذلك عدّة مرّات ، حتى بدتْ وكأنها ستصرخ بوجهي ، رمتْ سماعتها وتراجعتْ ثم أختفتْ .
بقيتُ أتأمل الضوء المتدلي من منتصف السقف وأنا أستعيد تفاصيل النوبة التي باغتتني صباح اليوم، عادتْ ومعها أجهزة مختلفة راحتْ تجربها واحدا تلو الآخر وهي تكلّم نفسها كالمجانين ، فرغتْ من تجريب آخر الأجهزة ثم انهارتْ جالسة على الكرسي ، اشارتْ بيدها الرقيقة المتصلّبة ، أرادتْ ان تقول شيئا ، لكنها ترددتْ وغابتْ من جديد .
عادتْ ومعها هذه المرّة مجموعة من الأطباء ببدلاتهم البيض ومعهم أجهزة مختلفة الاطوار ، تجمهروا حولي وخلعوا عنّي كلّ ما أرتدي وراحوا يدققون الفحص في خلايا جسدي كلها ، صاروا يفتحون عينيّ ويركّزون بها ضوءا حادّا كاد يتسبب بجنوني ، ويمررون على صدري أجهزة كهربائية تتسبب بصعقات مفاجئة مؤلمة ، أدخلوا أشياء في كل ثقوب جسدي ، وجرّبوا كلّ ما لديهم من إستخدامات لكلّ الاجهزة ناظرين لبعضهم بدهشة واستغراب ، وبصمت غريب سحبوا السرير وراحوا يركضون بي بسرعة فاقت سرعة سيارة الإسعاف التي نقلتني ..
إزداد عددهم ولغطهم وصاروا يتحدّثون لبعضهم بغضب ، صاروا يتصلون عبر الهاتف لجهات مختلفة وبسرعة تأت الوفود ، وتقوم بفحصي واجراء الاختبارات عليّ ، لكنهم يخرجون بنفس الطريقة المليئة بالتساؤل والدهشة ، ينظرون اليّ نظرة غامضة ويطرقون صامتين كأنهم أمام جثّة .
بعد الإتصالات الكثيرة والإنتظار الطويل وصل شخص يبدو انه الشخص المهم والأساسي في حلّ لغز هذه المعضلة، حيث ساد الصمت وصرت أسمع وقع اقدامه على البلاط ، تقدمتْ منه طبيبتي ، سألها عن مدى صحة ما سمع فقالتْ : نعم حضرة البروفيسورهذا مايحصل وهو أمامك ‘ مشيرة الى جسدي العاري .
تقدم نحوي وكان له هيئة – غاندي - اجرى فحوصات كثيرة ومختلفة وبعد كلّ فحص يردد كلمات ( عجيب ، يالله ، غريب ) بعدها وقف مبهورا ، وانسحب يتبعه جيش الاطباء بموكبهم الأبيض .
بقيت وحدي في الغرفة الصامتة ، افكر بالموت السهل والخلاص من القلق والالم ، على ما يبدو انني سأموت بسرعة ، هذا ما يتّضح لي من عيون وحركة الأطباء المضطربين .
بعدها عاد جمع غفير من الاطباء والخبراء وحملوني الى جهاز كبير كأنه فرن بشري مصنوع من الذهب والكرستال ، تومض به مصابيح كثيرة ملوّنة وتنساب منه اصوات موسيقية مختلفة، ويتحرك حركات متنوّعة متتالية تساعد كثيرا على النوم . لااعرف كم من الوقت مضى ، أخرجوني وكان الجمع المندهش ينظرني بطريقة اكرهها ، تمنيت لو انني اقوم والكمهم جميعا ، لكنهم أمسكوني وجعلوني أنام بحقنة مخصصة للخيول على مايبدو.
استيقظتُ على أثر لمسات تمسّد صدري وأطرافي ،فكان العدد قد إزداد من مرتدي الأبيض وهم ينظرون اليّ وكلّ يحاول لمسي ، ويحكون معي لمجرد سماع صوتي، ويمازحونني راسمين إبتسامة سرعان ما تتبدد إلى نظرة غامضة متسائلة ، أخيرا أنسحب الجميع تاركينني وحدي مع طبيبتي التي كانت هادئة هذه المرّة.
أصبح لديّ شعور بأنني مريض جدا وأنني سائر للموت ، لذلك هي تواسيني بكلمات رقيقة وابتسامة شفِقة ، سألتهاعن حالتي ببضع كلمات مرتبكة ،وهل انا في حالة سيئة ، هل أنتظر إجراء عمليّة ..... لكنها أطرقتْ ساكتة وعلى وجهها إبتسامة غريبة وقالتْ بصوت عذب انها تود ان تخبرني بأنني سوف لن اعمل أية عملية ، ولن اتناول ايما علاج ، وهي نفسها لاتعرف مالذي ممكن ان يفعله الطب لي ، وأن كلّ هولاء الاطباء من اخصائيين وخبراء وعلماء يعيشون في دوّامة من الحيرة والشكّ بخصوص حالتي التي لم يشهدها التأريخ البشري من قبل ...
وأردفتْ بقولها وهي تضحك : انت لاتملك قلبا .
وصمتتْ وضحكنا ، قلت لها اني في وضع لايحتمل المزاح ، لكنها ارتعدتْ وهي تقبض على ذراعي بقوّة ، لتخبرني انني إنسان عجيب ومخلوق غريب جدا ، فبعد كلّ الفحوصات التي اجريتْ ، تبيّن ان لاقلب ليّ وان جسدي عاش كلّ هذه الفترة بطريقة لايمكن لاحد ان يحللها أو يعرف لغزها ، وراحتْ تشرح لي باسهاب عن وضعي غير الطبيعي وان العالم الآن مشغول بهذه الظاهرة التي دوّختْ العلماء وفتحتْ الآفاق لدراسات لم تخطر على بال من قبل، وقالتْ انها لاتعلم مالذي ممكن ان يحصل ولااحد يعلم كم ساعيش ولااحد يعرف ماهو الحل او العلاج لهذه الحالة العجيبة التي لم تحصل لاحد من قبل.
غادرتْ بعد ان شدّتْ على يدي وابلغتني انها ستزورني غدا .
بقيتُ وحدي في غرفة مخصّصة لحالات الطواريء ، لم اصدّق ماقالته طبيبتي المجنونة من خرافات وسخف ،فكيف لإنسان عاش (خمسة وثلاثين ) عاما بلا قلب ، ورجل مثلي عاش اجمل قصص الحب والغرام لابد ان يكون له قلب فيل . بقيتْ اصارع خيالي واتذكّر اشياء كثيرة ، تذكّرت اغلب النساء اللواتي يصرخن بوجهي بعد مواقف الخصام ( أنت بلا قلب ) كاشارة للقسوة ، تذكرت أمي وهي تقول لي دائما نفس العبارة بمعنى كثير النسيان او انك لاتستفيد من تجاربك ، تذكّرت اشياء كثيرة واصابني قلق وداهمتني افكار مضطربة ، حاولت ان اشغل نفسي بشيء ، شغّلتُ جهاز ( التلفاز ) ورحت استمع لنشرة الاخبار وأذا بي عار كما ولدتُ على سرير مكشوف والأطباء على الجانبين يسمحون للجمهور الكريم بمشاهدة جسدي، بينما البروفيسور يشرح ويعلل هذه الظاهرة ، كان البروفيسور يشرح والاخرون يعبثون بجسدي العاري ، يرفعون ساقيّ لتبدو مؤخرتي على حجم الشاشة ، وآخر يحرّك يدي اليسرى ويضع اذنه في مكان القلب ويرفع رأسه للجمهور مبتسما ان لاقلب هنا ، وآخر يبدو انه شخصية ساخرة حيث يضع سماعته على خصيتي متوهما انها قلب- من باب إضحاك الجمهور - وانا اغرق في نوم كأنه الموت .
وقفتُ على أطراف اصابعي من شدّة العار فادرتُ التلفاز لقناة اخرى لإشاهد نفس الصورة ونفس المشهد ، فادرته على جميع القنوات وإذا بجسدي المفضوح على كلّ القنوات وفي كلّ الاخبار ، بقيتُ حتى الصباح وانا أتفرج على مؤخرتي والأطباء وتعليقات ومداخلات الناس عبر الهاتف وهم يكيلون الأسئلة والاستفسارات عن حالتي وما يمكن ان تكون عليه شخصيتي ، ومدى احتمال علاقتي بزعماء الارهاب أو ربما شخص بلا قلب ممكن ان يكون رمزا للاجرام والقسوة واللارحمة ،، اخذت الأسئلة تمطر والناس تطالب بتوضيح الامور وما سيتخذ بحقي من إجراء ممكن ان يخفف وطأت القلق والخوف الجماهيري الواضح.
صحوتُ بعد نومة قصيرة على اصوات هائجة خارج المبنى ، نظرتُ من النافذة لإشاهد الاف الناس يتجمهرون والشرطة تضرب طوقا لمنعهم من المرور ، خفتُ كثيرا وتمنيتُ لو أخرج وأتحدث اليهم ، لكن طبيبتي قطعتْ علىّ الأفكار وهي تدخل بصحبة شخصيات كثيرة يرتدون أزياء مختلفة توحي لبلدان واقاليم قريبة وبعيدة ، تقدموا منّي ليصافحونني بحرارة وقدموا انفسهم كرجال اعمال يرغبون بعقد صفقات معي ، قال أولهم انه مستعد لمنحي عشرة ملايين دولارا مقابل نصف دقيقة كدعاية لمشروب احمله بيدي واظهر على الشاشة واقول :
أنني عشت كلّ هذا العمر بدون قلب لإنني اشرب الكوكاكولا ..
ضحكتُ وأبتسم الرجل وعانقني فاسحا المجال للآخر الذي طلب منّي بادب جمّ ان احدد أيما مبلغ مقابل ظهوري وانا أقود سيارة ما ، والاخر والاخر واذا بطابور من رجال الاعمال والكل يحمل معه دعاية لعمل ما مقابل ملايين الدولارات .
أعتذرتُ من الجميع وطلبتُ من طبيبتي ان أكون وحدي لانني اشعر بالم وتعب ، غادر الجميع بينما طبيبتي بقيتْ شاخصة تنظر بوجهي بطريقة مختلفة هذه المرّة وقد أختلف شكلها وبدتْ وكأنها من نجوم السينما وطغتْ فتنتها على المكان بتسريحة شعرها وترتيب المكياج على وجهها الذي ارتدى إبتسامة عذبة مبالغ فيها. فطلبت منّي ان اخلع قميصي واضطجع على ظهري ، ففعلتُ وراحتْ تحرّك أصابعها على صدري بحنان ورقّة وهي تخبرني ان الفريق الطبي اكتشف شيئا جديدا بخصوص القلب ،حيث عثروا على بقايا متآكلة ربما تكون بقايا قلب وقد تحولتْ الى مايشبه ورقة جلدية مدبوغة تعود الى الآف السنوات الماضية ، وهمستْ باذني انهم وجدوا بها حرفين متقاربين هما الحاء والباء ، وقرّبتْ شفتيها لتلامس اذني :
يبدو ان الحب .... أكل قلبك ....
إنفتح الباب على مصراعيه ودخل الفريق الطبي مع مسؤولي وزارة الصحة وهم يتحاورون مع البروفيسور وسرعان ما تحوّل الضجيج الى صمت وهم ينظرون الىّ بعيون مليئة بالغرابة ، لااعتقد انهم يحتاجون فحصي بعد الآن ، فقد اكتشفوا السرّ واصبحتْ حالتي واضحة ، فانا الآن رمز للحب وان الحب الذي عشته حوّل قلبي الى ورقة ممزّقة ، وان العالم الآن ينتظر منّي كلمة بسيطة ليبدأ بها مرحلة الحب الأبدي الذي ستعيشه الكرة الارضية والكواكب المجاورة، راحوا يصافحوني بحرارة وبعض السيدات همّن بتقبيلي وعناقي واندفعتْ الى الغرفة عدسات المصورين وعلى الهواء لكلّ المحطات وبكلّ اللغات ، شعرتْ بالذعر من هذا الحشد الخليط وصرختُ طالبا إخلاء المكان .
بقيتُ مع طبيبتي وطلبتْ منّي أن أنام وارتاح ، وضعتْ يدها الرقيقة على جبهتي وداعبتْ وجهي ثم قبلتني من شفتيّ وانصرفتْ مضطربة ، لم أقُل شيئا لكنني شعرت بان كلّ شياطين الأرض تعوي في رأسي وأن هذا الكابوس لاينتهي الاّ بنهايتي ، قررتْ أن أتصل بصديقتي التي أوشكت أن انساها بسبب الارباك والتوتر الذي اواجهه ،صديقتي التي تهوّن عليّ الأمور دائما والتي هي ملاذي عند الازمات ، أدرتُ الرقم ليأت صوت أمرأة اخرى لتبلغني ان السيدة غير موجودة ، هي في إجتماع ، ثم أردفت بلغة رسمية إذا ترغب ساعطيك موعدا للقائها لإنها مشغولة جدا ببيع الصور والمذكرات وهنالك عروضا كثيرة تُطرح عليها مقابل ذلك ......
سألتها من هي ، قالتْ انا السكرتيرة ، قلتْ مالصور وما المذكرات ، قالتْ ضاحكة انها تقصد صور ومذكرات رمز الحب ، الرجل الذي اصبح رمزا للحب ، وراحتْ تسهب بالشرح وال .............. أنهيتُ المكالمة وانا أغرق بعمق في دوّامة مايجري من حولي ، هاهي المرأة التي منحتها ثقتي ، تتاجر بأشيائي ............
تناولتُ بعض الأقراص المنومة ورحتُ منفصلا عن العالم ، وما استيقظت الآّ على صوت طبيبتي وهي تبدو بوجه شاحب وعينين حزينتين ، وقفتْ أمامي وكأنها ستقرأ الفاتحة على روحي ، طال صمتها ونفذ صبري لتخبرني أنهم إكتشفوا حرفا ثالثا بين الحاء والباء ، حرف يكاد لا يُرى وجدوه مُتدليّا كجثة رجل مشنوق ، سقطتْ دمعتها وهي تقول : انه الراء ..
كريم شعلان
|
|
|
|
|
|
|
|