|
في شباط (فبراير) سنة 1963، اتيحت لصابر فرصة لزيارة الأهل في العراق في عطلة نصف السنة,.. وغادرمطار موسكو الدولي على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الروسية "ايروفلوت"،...وبعد رحلة دامت حوالي الثلاثة ساعات , حطت الطائرة ارض مطار بغداد، وتهيأ الركاب للنزول من الطائرة ,.. وما ان ترجل صابر حتى هبً الأهل والأصدقاء يرحبون به بحرارة على الطريقة الشعبية في جنوب العراق ,وبعد أيام سافر الى (الشطرة) , للسـلام على والديه واخوانه ومحبيه،.. ونصحه بعض الزملاء بعدم المكوث هناك طويلاً ,... لأن الجوالسياسي ملبداً بالغيوم,.. واول الغيث قطًـر!
وبعد ان غادرالمعارف الديوان مساءاً, اختلى احد اقارب صابر به وأعلمه عما فعله جهازالأمن في الشطرة,.. حيث قام بتفتيش بيوت العديد من أبناء المدينة المثقفين من شتى الأتجاهات السياسية المتباكين على العهد الملكي، اوالمؤيدين لنظام ثورة 14 من تموز 1958 حيث اتهموا بـ" الشيوعية ً" او" الرجعية", او العمالة لدولة اجنبية !
كان "صابر" طالباً موفداً من قبل وزارة التعليم العالي للحصول على شهادة عليا (الدكتوراه) مـن جامعة موسكو في ايلول (سبتمبر) سنة 1960، لذا اعتبرفي نظرالأمن موالي للشيوعية ، وكاد ان يتعرض دارالعائلة للتفتيش لولم يتدخل احـد أقارب صابر المقرب من قائمقام المدينة, ويبلغ والد صابر بمخطط أمـن مركز قضاء الشطرة للقيام بتـفـتـيـش دارالأسرة ،.. وما أن سـمعـت والدة "صابر" بذلك الخبر,..حتى هرعـت نحو ملفات "صابر" التي تركها في مكتبته ورمتها في التنور من دون تمحيص لمحتوياتها, وكان بضمنها وثائق ليس لها أية علاقة بالسياسة، لأن صابرلـم ينتمي لأي حزب سياسي
لم يكترث صابرلتصرف والدته , الا انه تألم لحرق تصاويره مع الملك فيصل الثاني أثناء تسـلمه شهادة تخرجه من جامعة بغداد في صيف سنة 1956, اضافة الى صورة أخرى مع (الزعيم عبد الكريم قاسم) , عندما كان صابرمديراً لثانوية الزراعة في قضاء الشطرة واستدعي ضمن وفد نقابة معلمين لواء الناصرية لحضور المؤتمر السنوي للنقابة برعاية الزعيم عبدالكريم قاسم في قاعة الملك فيصل الثاني في باب المعظم , .... وعلى اية حال لم يعثرأمن المدينة على أي شيء في مكتبة "صابر"، إلا أن تلك العملية أزالت الشـُبهـة عن انتماء "صابر" لأي تيار سياسي معين ، وان أجراءات الأمن بنيت على خلفية علاقات "صابر" مع أصدقاء طفولته منذ المرحلة الأبتدائية, حيث برزالعديد منهم بعد سـقوط النظام الملكي كأعضاء في أحزاب سياسية مختلفة!
في مطلع عام 1963 بـدأت تلوح في الأفق سحب قاتمة ضَّد سياسة الزعيم عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء آنذاك , ونشطت المعارضة بقيادة الأحزاب القومية وحتى التقدمية والمرجعية الدينية في النجف الأشرف , كما أعلن طلبة جامعة بغداد الإضراب , وعَمَّتْ مظاهرات في بغداد ومدن اخرى مطالبة بتغييرمسارالثورة والإطاحة بعبد الكريم قاسم ونظامه، وانقسم الشعب بين مؤيد ومعارض, واندلعت الاغتيالات السياسية في عدة مدن عراقية وخاصة في مدينة الموصل، ادت الى تفاقم النزاعات السياسية بين الأحزاب والتنظيمات النقابية المؤيدة والمعادية لثورة الرابع عشر من تموز, وما من احد استطاع التكهن بسيرخط الثورة, فمعظم الفئات اعلنت نقدها لأنحراف الثورة عن مسارها!
أزدادت تلك الحالة شراسة بين القوى المتصارعة عندما اسـتيقظت الأحزاب التقدمية بعد سبات طويل , وسـاهمت مع احزابً مختلفة لتأييد نظام عبدالكريم قاسم , وقادت المظاهرات المؤيدة للنظام,.. رافعة شعار: " أتحاد فدرلالي ,.. صداقة سـوفيتيه, وسـبع ملايين تريد ..حزب الشـيوعي بالحكم",( حيث كان تعداد النفوس آنذاك سبعة ملايين)! كما بزغت بشكل علني تكتلات اخرى معارضة رافعة شعار" وحده...وحده ,..ياسـلام", اي انها تطالب ان يتبنى نائب رئيس الوزراء عبدالسلام عارف اعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية التي تكونت من الوحدة بين مصـر العربية والجمهورية السـورية.
وعلى اية حال,.. باتت المؤشرات السياسية على الساحة الداخلية والخارجية , على وشـك الأعلان عن سقوط نظام قاسم في اي لحظة, وصار لزاماً على "صابر" العودة الى مـقـر دراسته في موسـكو , ولذا بدأ بتهيأة كل شيئ لأتمام معاملة السفر!
حجز صابر تذكرة سفرعلى الخطوط الجوية الأمريكية " بان أمريكان" القادمة من طهران والمتوجهة إلى ميونيخ عن طريق بغداد, حيث من المفروض وصولها الى مطاربغداد عند الساعة التاسعة صباحاً من يوم الثامن من شباط (فبراير) , سنة 1963 !
إلا أن مدير الشركة السياحية التي اشترى منها "صابر" تذكرة السفـر, قال له :
من المحتمل عدم وصول الطائرة الأمريكية " البان أمريكان" غـداً اوسوف
يتأخروصولها عن موعدها المقرر الى بغداد, ولدا سـنـنـقـلكم بطائرة أخرى!
لم يًعرَّ "صابر" أهـمـية لكلام ذلك المدير, واعتبره أمراً اعتيادياً،.. وعلى اية حال فقد تأهب صابر بصحبة اخاه للتوجه للمطارالدولي في بغداد / سابقاً (المثنى) / حالياً , وما ان وصلا الى قاعة المغادرة حتى اكملا كافة الأجراءات المتعلقة بالسفر,.. ووقف في "الطابور" لأجل وزن الحقائب , وما هي الا لحظات حتى سمع كل من هو في المطار دوي متفجرات وطائرة صغيرة تحوم فوق وزارة الدفاع الواقعة في باب المعظم مقابل بناية المطار, وتبيّن فيما بعد ان ما يدور في الأفق شيئاً مختلفاً, فحتى الساعة التاسعة من ذلك اليوم لم يُعلن عن وصول الطائرة الأمريكية, وسمع من راديوالمطارصوت اذاعة بغداد معلناً عن مقتل الزعيم عبدالكريم قاسم رئيس الوزراء , ومنع السفر بالطائرة !
دبَّت الفوضى داخل المطار, وتوقف الموظف المسؤول عن استلام تذاكرالسفر, وصدر الأمر بأخلاء قاعة الأستقبال من المسافرين ,وعاد صابرمع أخيه إلى داره في بغداد ، ولاحظا وهما في طريق العودة كيف كانت الطائرة تقصف وزارة الدفاع التي كانت المقر الرسمي والسكن للزعيم عبدالكريم قاسم قائد ثورة تموز 14 تموز!
وما أن وصل "صابر" الى دارأخيه, حتى سـمع من اذاعة بغداد عدة بيانات تعلن اندلاع ثورة الرابع عشر من رمضان ( ثورة الثامن من شباط )لإسقاط نظام عبدالكريم قاسم , بقيادة عبد السلام عارف, الذي احتل بغداد في اليوم الأول لأندلاع ثورة الرابع عشر من تموز 1958, والذي كان المساعد الأول لعبد الكريم قاسم ووزيراً للداخلية, الى ان دبً الخلاف بينهما, وحكم عليه بالإعدام في محكمة الشعب برآسة العقيد المهداوي, ثم عفا عنه الزعيم عبدالكريم قاسم,..ثم غادر العراق إلى المملكة العربية السعودية للعمرة ، وهكذا دارالتاريخ دورته واستلم خصمه (عبد السلام) الراية، وفي يوم التالي ( السبت), تبين أن عبد الكريم قاسم وجماعته ما زالوا محاصرون في وزارة الدفاع، ولذا طلب من (الزعيم عبد الكريم) , التنازل عن الحكم وتمت الموافقة, ونقل وكافة المقربين في نظامه إلى دار الإذاعة لكي يذيع رئيس الوزراء الذي اطاحت به الثورة بياناً يعلن فيه تنحيته عن السلطة ، إلا أن احد الضباط المعادين لقاسم وسياسته دخل البهو المكتض بمعظم رجال ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ورشقهم برشاشته وأرداهم قتلى في لحظات، وتلى بعد ذلك بياناً أعلن فيه نهاية (نظام قاسم)، .. إلا أن المقاومة والأسـتنكار الشعبي لأنصار نظام ثورة 14 تموز 1958 استمرت لعدة أيام ، وراح الحكم الجديد يستخدم كل الوسائل لإخماد قـوى المعارضة في أي مدينة أو قرية!
وهكذا انتهى نظام ثورة الرابع عشـر من تموز 1958 تموزبقيادة عبدالكريم قاسم ,.. ليبدأ على انقاضه نظام ثورة الرابع عشر من رمضان ( الثامن من شباط 1963) والتي اطلق عليها اسـم: ( عروس الثورات),... ومن أهم شعاراتها أعلان الوحدة العربية مع مصـر بقـيادة الـزعيم الخالد جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952.
اعتكف صابر في دار اخيه ولازم مشاهدة التلفزيون وسماع الأذاعات لمختلف الدول ليعرف ما يؤول له الوضع الجديد, وبالخصوص لمن كان على وشك مغادرة العراق , ومنع من السفر في اللحظة الأخيرة او قل في ساعة الصفر لثورة الثامن من شباط !
بعد ثلاثة أسابيع من اعتكاف "صابر" في دار اخيه بما يشبه الأقامة الأجبارية ومنعه من مغادرته العراق , سمع بياناً حكومياً من الأذاعة الوطنية يجيزللعراقي الـسفر الى خارج العراق بشرط أن يثبت المسـافرعدم ارتباطه بأية علاقة مع االنظام القاسمي او متهم بأية جناية ,.. بشهادة من مديرية الأمن العامة في بغداد !
وفي الحال ,.. توجه "صابر" إلى مقرعمل عمه التاجر في الشورجة , وطلب منه المساعـدة للحصول على موافقة مديرية الأمن على سـفره لأكمال دراسته ،... فنادى العم على احد عماله, وطلب منه تسليم جواز سـفـرصابر الى السيد (.......), ليستخرج من الأمن شهادة الخلو من السوابق لأي نشاط حزبي , والترخيص له بالسفرلخارج العراق !
وبعد أقل من ساعتين جاء ذلك الرجل والبشرى تعلو وجهه ,.. وجواز السفر بيده وسلمه لصابر,... وقد اكمل الموافقة الحكومية على سفر "صابر"!
شكر "صابر" عمه واستأذنه وذهب لحجز تذكرة السفروتحويل العملة، وأراد توديع عمه، و أصرعلى زيارته في بيته قبل يوم السـفر,... وفعلاً وبعد أن أكمل "صابر" جميع مستلزمات السفر ذهب مع أخيه لتوديع عمه، وعمَّت الفرحة جميع عائلة عمه وجاءت زوجته وبناته وأولاده، وكانت جلسة عائلية، حيث تربط "صابر" بالجميع علاقة طيبة وفق العادات العائلية التى نشأ عليها .
وفي ليلة السفر أقام أخوه دعوة على شرفه في مقهى (شريف وحداد), في بداية جسر الأحرار من جهة الرصافة، وكان ملتقى الطبقة المثقفة ورجال الدولة، وكانت سـهـرة ممتعة... ولكن (الحلو ما يكملش), كما يقال بالمثل المصري!
فأثناء الشرب والأكل، لاحظ "صابر" بالقرب منه شخصا يعرفه عندما كان مديراً لثانوية الشطرة ،..حيث كان متـهـماً بالتصرف بالخشب الخاص بتدريب الطلبة على النجارة من المخزن, وصـنعه لـهيكل سيارة نقل ( باص) لأحد السواق في المدينة لقاء مبلغ من المال في العطلة الصيفية، ... وبعد الأستفسارمنه عن النقصان بكمية الخشب,, انكر معرفته ,.. فأضطرالمديرصابرلـرفع الموضوع الى مديرمعارف مركز اللواء في الناصرية,... فأرسل لجنة خاصة للتحقيق,..وفي اول جلسـة انهارالمتهم واعترف,عندئذ اصدرت اللجنه قراراً بنقله وتغريمه ثمن الخشب وشراء كمية تعادل الكمية الناقصة !
ما ان وقعت عين "صابر" على ذلك الموظف حتى شعر بصداع شديد لأنه يعرف معدن ذلك الموظف , ومن المستحيل ان يفوت تلك الفرصة من دون أن يعمل أي شيء من باب العزة بالأثـم , فتخوف صابرمن التصادم معه فيتعرقل سفره في صباح الغد !
طلب صابر من أخيه أن يدفع الحساب للنادل, وبسرعة غادروا المكان ً، ولم يفصح للمدعوين في هذه السهرة عن السبب حتى لا يعكر مزاجهم ،.. وفي اللحظة التي نهضوا فيها، لاحظ "صابر" وقوف ذلك الموظف وجماعته والتهيؤ للخروج خلفهم،.. فطلب صابر من اخيه الأسراع نحو سيارته المتوقفة في (كراج) قريب لسوء حالته الصحية , وصعد السيارة وبرفقته صابر,.. وشغل السيارة بسرعة متخوفاً من انتكاس صحة صابر في ليلة سفره,....وهو لم يدري الحقيقة التي دفعت صابر بتطبيق هذا السيناريو والخروج الفوري من المقهى!
... ومن حُسن الحظ كانت في تلك الليلة مفارزعديدة من الجنود في مناطق بغداد المهمة تطلب من كل سائق توقيف سيارته لتـفتيـشـها بدقة بسبب حدوث اضطرابات في معسكر الرشيد في تلك الليلة ،... وما أن وصلت سيارة أخ "صابر" بالقرب من احدى المفارز في ساحة التحرير, الواقعة في بداية الباب الشرقي , حتى جاءهم جندي ومدَّ رأسه داخل السيارة للتعرف عـلى الركاب ويفتـش ًأوراقهم الثبوتية, ثم تمعن بصابر وأخيه وصرخ: " مًن ؟,.. مَنْ؟"..أولاد الحاج (... ), وكان ذلك لقب عائلة صابر،.. وسرعان ما تعرف "صابر" عليه حيث كان معه في المرحلة الابتدائية،.. وطلب الجندي من صابر وأخيه التوجه فوراً لدارهم لأسباب أمنية , حيث اكتشفت محاولة انقلاب قبل قليل قام بها بعض الجنود في معسكر الرشيد ، وهكذا أسرع أخ "صابر" بسيارته، .. والتفت "صابر" إلى الخلف فشاهد السيارة التي تبعتهم خلف عدد من السيارات متوقفة بأمرالمفرزة لتفتيشها!
وما ان هدأ صابر بعض الشيئ حتى اخبراخيه حقيقة الموضوع, وبعد لحظات تمكن أخ "صابر" من التمويه عن سيارة تلك العصبة التي تبعته, وساربأزقة غيرمعروفة إلا لسكنة بغداد، ووصلا بعد ربع ساعة للدار!
لم يكن ارتباك صابرمن الأمن ,لأنه حاصل على تصريح منهم يسمح له بالسفر الى خارج العراق,.. الا ان خوفه من اي شجار مع من ذلك الموظف قد يـسبب تأخير طيرانه في صباح الغد ويؤجل سـفره الى الأسبوع القادم!
وحمداُ لله سارت الأمور بشكل طبيعي, وفي الصباح توجه صابر واخيه الى المطار وتمت الرحلة ًعلى متن الطائرة الألمانية عن طريق بيروت, (ترانزيت) لمدة ليلة واحدة في فندق فينيسـيا الفخم,..ومن حسن الحظ ان شاهد صابرقرب الأستعلامات المطرب السـوري فريد الأطرش وهو يستلم من العامل مفتاح غرفته, وتبادل معه التحية, وكلمه عن ثورة الثامن من شباط , وما ان اوشك فريد مغادرة المكان , ودع صابر, وقال: (عقبال عندنا ! ), وفعلاً,.. بعد شهر واحد حدثت ثورة في سوريا بقيادة حافظ الأسد!
ما ان وصلت الطائرة المقلة لصابرالى مطار موسكو الدولي , حتى هرع العديد من اصدقاء ه يلوحون لهم , ويصرخون بالروسي ( دازدراست فوتيه صابرجك), اي ليحيا صابر,حيث تسربت إشاعة بأحتمال اعتقاله وقتله عندما كان في المطارصباح يوم ثورة شباط ,... لكونه طالباً يدرس في بلد شـيوعي , وان النظام الجديد اتخذ موقفاً من الدول الأشتراكية لمساندتها نظام عبدالكريم قاسم , ومناصرتها للحزب الشيوعي العراقي.
لم يكن "صابر" معادياً للتوجه العروبي ، إلا أن وجوده كطالب في موسكو، وعلاقة موسكو الجيدة بالنظام السابق جعل معظم الناس والمنتفعين من الحكم الجديد يتصيدون بالماء العكر ويقذفون التهم جُزافاً على الآخرين واعتبروا أن كل دارس في الأتحاد السوفيتي هو " شيوعي "، وكان ذلك غير صحيح،... فالكثيرمن الطلبة الدارسين هناك بعيدين عن التيارات السياسية ولم يكن لديهم انتماء لأيّ حزب من الأحزاب، عدا الذين هم اعضاء في الحزب قبل قدومهم الى موسكو!
لم يكترث صابرللأشاعات, فهو لا يعرف سوى الرغبة الجامحة للبحث والدراسة لنيل أعلى درجة علمية, والاستفادة من التقدم الذي وصله الأتحاد السوفيتي في الستينات حيث كان أول من ضرب "القمر" بصاروخ وضع فيه, راية الأتحاد السوفيتي الحمراء، ذات المطرقة والمنجل والتي ترمز لوحدة العمال والفلاحين، وهما الطبقتان المهيمنتان على النظام منذ ثورة السابع من اكتوبرالحمراء سنة 1917 وفق التقويم القديم , والذي يوافق إلسابع من نوفمبر من كل عام بعد تغييرالتقويم القديم ،... ولا اعتقد أن شخصاً لا يعرف مدى تأثير تلك الثورة على العالم بأسره، وكيف استطاعت أن تدعم و تساند معسكر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، والمتكون من معظم الدول الأوربية مثل: فرنسا وإنكلترا، وقد دخلت أمريكا على الخط في نهاية الحرب تقريباً،.. أما دول المحور المعادية، فقد اشتملت على ألمانيا وايطاليا واليابان... وهكذا وبعد انتصار الحلفاء تمكن الأتحاد السوفيتي من الهيمنة على أوربا الشرقية وتقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية، ويبرز كـثاني دولة مهيمنة على العالم بعد أمريكا، وقد تمكنت سياسة حكومة الأتحاد السوفيتي على إحراز الأولوية في العلم والتسلح العسكري، أو ما يسمى بالحرب الباردة مع أمريكا وأوروبا الغربية.
وصل صابر الى مدينة موسكو بعد غيبة طويلة عن زملاء الدراسة دام أكثرمن شهر، وقد رحب به الجميع ، إلا أنه لمس فتوراً في عواطف زميلته ،.. متذرعة بإلحاح والدتها بوضع حدّ لعلاقتها به ,... ولا بُـدً من اعلان زواجه منها فقد طالت فترة الخطوبة، وهي تخاف من أن يفوتها القطار وتصبح (عانـس), ويخفت جمالها، ثم يتركها ويسافر لوطنه من دون عودة بعد إكمال دراسته!
برزت هذه المخاوف عند زميلة صابر, وبدأ يحسها بشكل واضح كلما تقرب منها ، وهو الذي طالما أكد لها واقع حياته معها، وقد قبلت بذلك واستمرت معه وهي راضية، فما الذي حدث بعد تغيبه شهراً ؟ فلا بد أن تكون قد تخلت عن إخلاصها
فالمثل يقول: " أن المرأة كالحساء الساخن ,... طيباً في حينه، ... وإذا ما تركته
فسوف يتفسخ ويفقد طعمه,... أو ربما يكون ساماً " !
. بدأ "صابر" بالحذرمن علاقته مع تلك الصبية (وبدأ الفار يلعب بعبَّه), أو قل بدأت بذرة الشَّك القاتلة للحب تنمو رويداً, وتكررالكذب وإلغاء المواعيد والبرود في اللقاء،... إلى أن اتصل بها في أحد الأيام واعتذرت لمرضها، وعدم تمكنها من مغادرة البيت ! ولكن حاسة الحدس عند صابر بين له كذبها، وخرج مُسرعاً ليقف لها قرب دارها في ساعة متأخرة من الليل وبعد برهة من الزمن هبطت من التكسي , فحدقها ومضى , فهلعت وركضت وراءه ، إلا أنه لم يعرها أهمية وعاد إلى سكنه !
لم ينم ليلته ,.. وهكذا وجد "صابر" المبرر لترك تلك الفتاة التي طالما حاول تركها، والآن تم له ما أراد ,... وطِلعَتْ مِنَكْ يا جامع!!
يتبع في الحلقة / 7
|