|
اكمل الدكتورصابر وثائق طلب تسجيل زواجه من خطيبته المواطنة الروسية, وبعد ثلاثة ايام اتصلت الخطيبة به في ساعة متأخرة من الليل, واعلمته بتسرب خبر زواجهما الشرعي في المسجد الى والديها , طالبين منها ألغاء العـقـد اوالخروج من البيت فوراً !
...و نظراً لعدم موافقتها, استعملا معها العنف , وطردت من البيت وهي بملابس النوم , ولا يسترها سوى واقي المطر(البلاش بالروسي), ثم حددت لصابرمكان تواجدها, فهرع على الفورالى ذلك المكان لنجدتها مما اصابها من تـعـسـف والديها, وما قد تتعرض له من معاكسات السكارى في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل!...وبعد دقائق التقى معها, وكانت بحالة مزرية داخل (كابينة التلفون) وهي ترتجف من البرد وعليها آثارالضرب !
لم توافق اليمامة على تسجيل شكوى ضد والديها ,لأن ذلك سيسبب اتهامه بأمورعديدة
قد تؤدي الى طرده من الجامعة واجباره على مغادرة موسكو والعودة الى وطنه حيث لا يسمح في الدولة السوفيتية على اجباراي مواطن بالتدين قسـراً بغيرما يؤمن به,... ومن المحتمل ان يتهم والد اليمامة الدكتور صابر بأجبارابنته على دخول الدين الأسـلامي!
اتصل صابر على الفور بصديق له يـسكن عند عائلة روسية مع زوجته, وشرح له الموضوع.... وعلى الفوراستدعاه الى سـكنه, ليكون وخطيبته في ضيافته حتى الصباح , وبعد ذلك يحلها الحلال!.. وسيبحثان معاً طريقة لأنهاء تلك المشكلة بروية وهدوء, لأن القانون بجانبهم , وقد يتعرض صابر لعقوبة تحطم كل المكاسـب التي حققها !
صباحاً عاد صابرمع زوجته وفق سـنة الله ورسـوله,.. لتسـكن معه في غرفته في الجامعة والتي لا تزيد مسـاحتها على اربعة امتار, وبحمام وتواليت مشترك مع الغرفة المجاورة , وبالرغم من تلك الحالة المزرية, زادت المضايقات على زوجتة عند دخولها أو خروجها من السكن الجامعي , وعلى ما يبدو كان الأمر متعمداً بسبب تأثير اصدقاء والد اليمامة على من بيدهم الأمروالنهي في السكن الجامعي !... و لذا اضطر صابر لأستئجارغرفة عند عائلة روسية تسكن في عمارة بالقرب من الجامعة,... وهكذا شـعـر ببعض الراحة,.. وزالت حالة التردد التي عاشها بعد اتخاذ قرارالزواج , والدخول في مرحلة جديدة رغـماً عـنـه وعـن كل المعوقات التي حالت دون اتمام عـقـد قـرانه !
أسـتقرت أحوال صابر بعد معاناة كادت ان تعصف بمـسـتقبله, لولا شـجاعة اليمامة وتمسـكها به متحدية قسـاوة والديها , وبزغـت عليهما شـمـس الحرية مـكننفة مشاعرهما الحقيقية ولينعمان بأستقرارً نسـبي ,.. وهكدا زادت هـمة صابر في بحثه العلمي وحصل على نتائج قيمه اسـعدت أسـتـاذ ته المشرفة على دراسـته وكل زملاء ه في القسـم .
أسـتعـد صابر عـنـد اقتراب موعد عقد القران رسمياً في محكمة موسكو الشرعية , فأشـترى بدلة العرس من هولندا عن طريق صديق له كان في رحلة لأمستردام ,.. وفي اليوم الموعود توجه مع زوجته شـرعاً واثنان من الشهود الى القاعة الفخمة في بناية المحكمة التي تقام فيها احتفالات عقد القران لعـشـرات الـعـرسـان في اليوم الواحد !
وبعد استراحة نصف ساعة نودي على صابر وزوجته, وتوجها برفقة الشهود الى الخط الأحمرالمواجه للقاضي , ثم صدحت موسـيقة السـنفونية رقم واحد لجايكوفسكي , الذي يعتبراشـهـرموسيقارفي العهد السوفيتي آنذاك , وتقدم صابر وعروسـته والشـهـود نحو المنصة بخطوات عسكرية ,.. ثم صـمـتت الموسيقى, وبدأ القاضي بقراءة النص الرسمي لعـقـد القران ,..فوافق العروسان على النـص, ووقع الجميع تحت المحضر, ثم التقطت لهم عـدة تصاوير بواسطة المصورالمتعهد في هذه القاعة,.. ومن جديد صدحت الموسيقى ذاتها جايكوفيسكي , وخرج العروسان واصحابهما بـخـطـوات على انغامها!
في مـسـاء ذلك اليوم , اقام صابر وليمة جمعت معظم اصحابه المتزوجين من فتيات روسـيات,... ولسان حاله يقول : مافيش حًـد أحـسـن من حًـد ,..فكلنا في الهم سـوى! وهكذا توجه صابر وعروسته والمدعون الى مطعم ( آراكفي) في شـارغ غوركي الذي يعتبر من أجمل شـوارع موسـكو آنذاك , أضافة الى شـهـرته بالأكلات الشرقية مثل :
( التهجين"مقلوبه", والتباكا "دجاج بالتنور" والبتي" تشريب لحم بالبستوكه" والخارجو "شوربه حامض شلغم ولكن بدل الشلغم لحم غنم " والبلوف " تمن أحمر بالدهن الحر"), اضافة الى الأطباق الأوربية والروسية والسلاطات المتعددة الأصناف ,... ومن الجدير بالذكران المجتمع السوفيتي آنذاك لا يرغب بتناول وجباته في المطاعم , ويستهجن كل من يتردد عليها, ويعتبره ( برجوازي) ! .. الا ان تقارب اصناف الطعام في هذا المطعم مع الأكلات العراقية جعلته ملتقى لجميع العراقـيين ايام العطل والأحتفالات , اضافة الى رخص سـعـرالوجبات,حيث لا يزيد سـعرالوجبة الواحد لشخصين على العشرة روبلات وكان سعرالدينار العراقي في السوق السوداء آنذاك عشرة روبلات,...في حين ان راتب الطبيب المتخرج كان في حدود المائة روبل,..وراتب طالب البعثة لنيل "الدكتوراه", حوالي 150 روبلاً, و البكالوريوس 120 روبل,..وعامل المنجم 500 روبل !
اسـتنشـق صابر طعم العسـل لأيام محدودة, بعد ان ابتعد عن السكن الجامعي , وأجـرً غرفة متواضعـة في شـقة عاملة روسية عجوز, بخمسين روبلاً شهرياً , .. وهكذا اصبح بأمكان الزوجين الخروج والعودة في اي وقت يرغبان من اجل التسوق او تناول وجبة العشـاء مع بعضهما, اوالسـهرلمشاهدة فيلم او مسرحية او باليه في اشهرمسرح عالمي في روسيا منذ العهد القيصري والى الآن , يسمى " البلشوي تياتر" اي المسرح الكبير!
ومـرًت الأيام والعروسان غارقان بشهرالعسل ,غيرآبهان بما يخبأه الزمن , فـبعـد شهرشعرت, الزوجة بأعراض الحمل !... وتوجه معها الى المستشفى النسائي وعرضها على طبيبة سودانية كانت زميلـتـه اثناء دراسـتة اللغة الروسية, ..وأجرت لها الفحوص المتعلقة بالحمل وبعد ظهور نتيجة التحليل ,.. ثـبـت وجود الحمل!
ســعـد صابر وزوجته بهذه النتيجة التي قد تؤدي إلى إنهاء الحرب المعلنة بين زوجته ووالديها، إلا أن الفرحة لم تدم، ودارت الأيام، وما أن علمت والدة الزوجة بالحمل حتى استعرت النارمن جديد, بعد ان همدت لبعض الوقت ، وفي أحد الأيام وبينما كان صابر عائداً إلى غرفة سكنه في الجامعة,... وجد رسالة من زميل له كان يستعمل تلك الغـرفة للمذاكرة أثناء غيابه ، مكتوب فيها :
راجع مستشفى الولادة حالاً حيث ترقـد زوجتك, وان أمها تجبرها على الأجهاض!
جـُّن جنون صابر لذلك الخبر,.. وهرع مسرعاً إلى المستشفى، وما ان علم الحقيقة, حتى قابل مديرة المستشفى التي لم تطلع على حقيقة الزواج الرسمي , ومنعها من اجراء الأجهاض دون موافقته وموافقة الزوجه !... وحملها مسؤولية عملها ، ودارت مناقشة بين صابر وبين المديرة أسـفـرت عن عدم إسقاط الجنين، بعد اطلاعها على ( دمغة) عقد القران في المحكمة الشرعية في موسكو,اضافة لخوفها من تهديد صابر وتصميمه بأخبارالسفارة العراقية, حيث يمنع القانون السوفيتي اجهاض المرأة المتزوجة الا بعد الأذن كتابياً من الزوج , ويسمح بأجهاض العزباء عندما يكون عمرالجنين ثلاثة اشهر!
الا ان الذي حدث مع زوجة صابر كان خديعة من أم زوجته على مديرة المستشفى .حيث ادعت الأم ,.. ان ابنتها غير متزوجة قانوناً, وقد غرر بها هذا( الجورني أرابا), اي العربي الأسود ! ... وهكذا تمكن صابر بعد سـاعة من إخراج زوجته من المستشفى وأنقذ زوجته من الأجهاض!
شـعر صابر بنشوة الأنتصارعلى والدة زوجته,... ولم يحـدس بما يخبأه المسـتقبل له, واستعان بأمرأة عجوزلأعانة زوجته في اشهرالحمل الأخيرة,.. وتفرغ هو لأتمام منهجه الدراسي وأستثمروقته للبحث العلمي لأكمال ما تبقى من اطروحته بقسـم الكيمياء وفق الخطة التي اقـرتها أسـتاذته بحدود الفترة الزمنية الممنوحة له من الحكومة العراقية.
وفي 25 آب (اغسطس) جاء "المخاض" لزوجة صابر, وعلى الفورنقلها الى أقرب مستشفى للولادة, وفي اليوم التالي جاءه البشـيـر ليعلمه بالمولود الصبي وسلامة الزوجة ً, فزال عنه التوتر وغمرته السعادة , وقابل مسؤول أدارة المستشفى شاكراً لهم حسـن معاملتهم لزوجته, .. ثم سجل الجنين في جواز سفرالزوجة بأسم (.......), وفق قوانين الدولة, ... حيث تنص على تسجيل الطفل في سجل الأم لحين بلوغه السادسة عشرة, ثم يخير بين بقاء الأسم او تغييره !
مرَّت بصابر أيام عصيبة وصاروقته ممزقاً بين دراسـته والعناية بطفله وزوجته التي مازالت هي نفسها طفلة في سلوكها،... فقد كان يخرج صباح كل يوم ليسـتلم حصة طفله من الحليب وبقية المواد الغذائية من مركز خاص بالأطفال تكفيه لثلاثة وجبات مجاناً، ثم يعود ليجهزالفطورللزوجة التي مازالت متعبة منذ الولادة, ... واســتمـرعلى تلك الحالة بمضض, لاعناً الحظ الذي رماه بهذا الظرف وحيداً تحت رحمة اعداء متربصين به!
جاهد صابر في توفيرالظروف الملائمة للطفل وللزوجة في غرفتة في الجامعة والتي لاتتسع الا لسكن فرد واحد , وبمرافق مشتركة مع طالب آخر يسكن في الغرفة المجاورة لغرفته , ..ومع تحمله لتلك المتاعب , وضعت امامه مضايقات من لجنة الطلبة المسؤولة عن الأمن الجامعي , .. حيث داهمته في يوم ما وهو نائم مع زوجته وبينهما طفل بعمر الزهور في غرفته بعد منتصف الليل , بأدعاء مزيف من بعض المغرضين المفترين المدعين بوجود عشيقة لصابر تعيـش معه في السكن الجامعي !
ذعـر صابر من المفاجأة ومسـك اعصابه وعرض عليهم جواز سـفـره الحاوي على شهادة الزواج !... فتبين لهم زيف الأخبارية ويعتذرون وكأن شـيأً لم يكن, فيثورصابر كالثور الهائج!.. ويلقنهم درسـاً في الأخلاق لأجتثاث اسلوبهم المتعارض مع شـعارات الحرية التي نـصًت عليها شعارات الماركسية واللينينية المبشرة بوطن حـروشعب سعيد!
ولذا لم يتهاون مع تصرفات لجنة الأمن الجامعي بعد تكرارها , حيث حـدس ان وراء تلك التصرفات الأسـتفزازية هو والد زوجته العسكري المتنفذ في الدولة, ولذا طلب منهم احترام الضيف, وان بأمكانهم التحقق من صحة الأخبارية في وضح النهارعندما تخرج الزوجة يومياً للتبضع والتسـكع برفقة طفلها في محيط الجامعة للتأكد من هويتها ,.. وان اسلوبهم المتكررغيرمبررولا يحسن بمثلهم النزول هذا المستوى غيرالحضاري !
ومن اجل وضع حـداً لمثل تلك الأستفزازات ,أضطرصابر بعد اشهرإلى وضع الطفل في دار للحضانة لقاء أجر زهيد،... واستمر على هذه الحال لعـدة أشهـر، الا انه لاحظ سوء معاملة الدار لطفله ،... فأضطر إلى استئجارغرفة مرة اخرى عند عائلة روسية .
ظل صابر, على حالته لعدة شـهور، لم يذق فيها طعم الاستقرار، وسارت الأمور بين مدَّ وجزرَّ, حيث كانت تبرزبين الحين والآخرمطبات لم يهتم بها لتفاهتها, الا انها نخرت كل ما شـيده من بناء ،... فإضافة إلى عداء والدي زوجته
له تعثرت دراسته بعض الشيئ ولم ينعم بالأستقرارفي حياته الزوجية كما كان يتمنى في عهد العزوبية ; كما ان الزملاء في الجامعة قطعوا صلتهم به, بعد ما كانت غرفته كمنتدى عندما يأتي المساء !
لم يرضخ صابر لسطوة والد زوجته, وتحدى كل معوقاتهم لبث بذرة الشك بينه وبين زوجته, ولذا وفرلها كل ما ماكانت تتمناه اي امرأة في روسـيا في ذلك العهد الذي تميز بالتقشف في الكماليات,.. وحتى المواد الغذائية الممتازة لا يمكن الحصول عليها من المخازن الحكومة, حيث تنقل للأسواق الشعبية ( الرينك), وتباع بأضعاف أسـعـارها ! أثرت تلك الظرف على صحة صابر , الا انه لم يهمل دراسـته واستمر في ابحاثه بهمة مضاعفة , .. وفي احد المقابلات مع أسـتـا ذ ته المشرفة, أعلمته بضرورة تقريب موعد الدفاع عن اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه ، إلا أن الحظ اوالقدركان له بالمرصاد, فقد تغيرت النتائج التي اراد ان يختم بها أبحاثه, حيث بينت آخرالتجارب نتائجاً مغايرة لما كانت تنص عليها لمصادر, ..فأنزعجت الأسـتاذة المشرفة لتسـرعه في اجراء التجارب معتقدة بتلوث المختبروالأدوات بالمواد المشعة كان وراء النتائج المتغيرة!
ولذا أصدرت رآسـة القسم أمراً بأغلاق المختبرلمدة شهر, وتنظيف الجدران والأثاث من اي غبار ذري بمواد خاصة,... واستبدال كافة الأدوات المستعملة والمواد الكيمياوية بأخرى جديدة,.. ونفذ ت أوامر الأستاذة بمساعدة عمال متخصصين من قسـم الكيمياء الذرية في كلية الكيمياء في جامعة موسـكو!
وبـمرورالأيام , ازداد صابرتحدياً لأثبات جدارته في بحثه الذي اصبح مثاراً للجدل والـشـك,.. واستمربتقديم نتائج بحثه في نهاية كل اسبوع لأستاذته,... وشــعـر بـعـد عـدة تجارب برضى الأستاذة عـن نتائج البحث الجديدة ,.. وفي الحال طلبت
تغييراً في المقترحات propoposal الأصلية للبحث,... وبعد مرورعدة أشـهـر, لـمس صابر سـعادة اسـتاذ ته, حيث بدأت تسأله عن أحوال اهله في الوطن ,..وحياته الزوجية , فدبت عنده الشجاعة , واسـتغـل تلك الفرصة طالباً منها السماح له بالعمل في العطلة, لرغبته في انجازالتجارب المتبقية, والعودة لوطنه, .. فأبتـسـمـت الأسـتاذة وقالت له:
بان عليك التعب ولا بـُدً من الراحة حتى نضمن صحة النتائج لنجني ثمارها!
تدفقت الدماء في عروق صابروشـعت بـوجهه أشـراقة غابت عنه ,...وحمد الله على هذا التطور,..بعدما كان مـرتهباًً من عصبية استاذته ؟,.. واخيراً وبعد فترة وجيزة من الزمن, اوضحت الأستاذة سـبب شـكها في النتائج ومطالبته باعادتها ! ..
علم صابر ان التغير في النتائج لم يكن ناجماً عن التلوث بل على تكوين مركب جديد !.... , وهنأته الأستاذة لأكتشافه دلك المركب الجديد للكوبلت , ... حيث سـيـزيد من قيمة أبحاثه ومستواه العلمي والقـيمة العلمية لأطروحته !
لـمـس صابر تغيراً جوهرياً في علائق أستاذته معه , بعد ان تأكد لها اكتشافه لذلك المركب الجديد،... وقد تـم تسـجيله باسمه, وأعلنت الأستاذة عن ذلك أمام أجتماع عام في قـســم الكيمياء كان مخصصاً للأحتفال بأطلاق صاروخ ليغـرزعلم جمهوريات الاِتحاد السوفيتي لأول مرة في التاريخ على سـطح الـقمر!...حيث قالت:
ان مختبرنا فخور بأبحاث الكانديدات ( المرشـح للدكتوراه), حيث ثبت لنا اكتشافه ولأول مـرة مركباً للكوبلت له ميزات جديدة وغريبة ! ... فصفق الجميع , ووقف صابر يشكرالمهنئين, وكان من بينهم احد العراقيين , وهنأ صابر وقال له :
ها يابه سـكتاوي !!
مرَّت السنين بـسرعة وأصبح صابرعلى وشك نيل شهادة الدكتوراه, فقد أعطيً الضوء الأخضرلبدء كتابة القسم النظري لأطروحته ، ووجد مساعدة من كافة زملاءه الروس الذين عمل ابحاثه معهم في نفس المختبر طيلة السـنوات الخمسة الماضية, اضافة الى عون زوجته بتصحيح اللغة الروسية قبل طبع الأطروحة على الآلة الكاتبة, حيث لم يكن للكمبيوتر وجود الا في غرفة واحدة في الطابق 15 المـختصة في ابحاث الفضاء التي تفوق فيها الأتحاد السوفيتي بعشرة سنوات على امريكا في ستينات القرن الماضي!
كانت أستاذة صابرخيرمساعد له لشرح الغموض لبعض المصطلحات,.. وقد أنهكه العمل اضافة الى وضعه العائلي المهدد بالانهيارمن قبل والدي زوجته, حيث بدأت محاولاتهم بمنع ســفـر ابنتهم والطفل الى العراق في نهاية السنة الدراسية !!
تم تحديد مناقشة أطروحة الدكتوراه لصابرفي الخامس والعشرين من شهر حزيران 1966 وتمت المرافعة أمام لجنة تزيد على الأربعين أستاذاً من مختلف الاختصاصات، وبعد القاء المحاضرة بجدارة ونجاح ,.. حازعلى درجة جيد جداً،... وصفق له الجميع لأجادته الشرح باللغة الروسية، فقد كان متمكناً من المادة العلمية واللغة التي اكتسبها من زوجته الروسية مما لفت له أنظاركافة زملاء ه العرب الذين حضروا مناقشة أطروحته, وبعد الانتهاء من مراسم الدفاع في احدى قاعات كلية الكيمياء,.. توجه معظم المدعـون الى مطعم الجامعة , حيث عمل صابروليمة عشاء بمساعدة صديقه الدكتوركريم الراوي والذي اشتهر كأمهرالطباخين العرب في موسكو آنذاك ! .. واشرف بنفسه على اعداد الأكلات العراقية الفاخرة للمدعوين من اساتذة القسم ولفيف كبيرمن أصدقاء صابر زاد عددهم على المائتين , ومدت الموائد على الطريقة الروسية ورفعت الكؤوس لشـرب نخب الدكتور صابر, وعم الجميع الفرح على انغام اغاني عراقية يحبها الروس !
التقطت خلال حقلة العشاء تصاويراً عديدة بواسطة مصور خبير, حيث كان يعمل مصوراً في اهم جريدة آنذاك اسمها (برافدا)، وبعد أيام ادعى ذلك المصورحدوث خلل فـني , ولذا لم تظهرالصورة واضحة وهكذا أضاع ذلك الإنسان صورا لأجمل الذكريات التي كان يتمناها صابر، ولم يبق منها سوى الخيال، وخاصة عندما شرب الجميع على شـرف أستاذته, وكيف تبادل معها العناق وهو يشكرها على النتائج التي تحققت له,..وقد ذكرت الأستاذة ما كانت تفعله من وراء الكـواليـس للتأكد من صحة نتائج صابر قبل إعلانها عن الاكتشاف !
ومن الجدير بالذكر وبعد مرور سنين طويلة, اسـرله احد الصحفين من الذين عملوا في جريدة البرافدا, ان سلطة والد زوجته قد تمكنت من مصادرة تلك الصور,.. وكذلك تصاوير يوم زفاف ابنته ,.. حتى لا تكون عليه بينة اذا ما تعرض لأية مسائلة عن اي عمل في مجال تخصصه العسكري الذي يحتم عليه الأبتعاد عن اي علاقة مع اجنبي!
استمر صابر بعد أيام بتقديم الوثائق اللازمة لإدارة الجامعة لكي يحصل على وثيقة التخرج أي ( شهادة الدكتوراه )، وقد استغرق ذلك وقتاً طويلاً، ... وبعدها بدأ باستخراج وثائق السفر لزوجته وطفله أسـتغرق أكثرمن ثلاثة أشهر، ...ولذا اضطربسببها لأرسال برقية إلى رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي , ورئيس الدولة آنـذاك ,.. (الرفيق برجنيف ), فقد شـعـر صابرأنّ والد زوجته هو السبب بالعرقلة ! ... وبعد أيام أتصلوا به من قسم الأجانب ليعلموه بالموافقة على منح زوجته وطفله تأشيرة خروج والسـفـرمعه الى وطنه العراق !
ومن المغارقات التي صادفها صابر وهو في تلك الدوامة, صدفة اقرب الى المعجزة , فعنما اراد التوجه الى ادارة الجوازات في وسط مدينة موسكو, استقل الحافلة, وصعدت زوجته اولاً, ثم حمل الطفل وصعد خلفها ,..واتجهت الزوجة الى مكان فارغ وجلست بجانب أمرأة وسيمة في مقتبل العمر,واذا بتلك المرأة تتحرك نحو اليمين وتترك فـسـحة من المكان واشارت لصابر بالجلوس الى جنبها, ..وما ان استقر بمكانه التفت الى تلك المرأة التي نبض قلبه لها من دون ان يدري , واذا بتلك المرأة هي خطيبته الأولى التي استمر بصحبتها ثلاثة سنوات وتركها عندما شـك في خيانتها قبل ثلاثة سنوات!
تبادل وتلك المرأة نظرات العتاب بصمت,..ثم كررها عدة مـرات , ولم يأبه لوجود زوجته, فقد هاجت الذكرى, ..ومـر الوقت مسـرعاً ووصلا للمكان المقصود,....وما ان توقف الباص حتى نظرصابر الى الحبيب الأولي نظرة وداع ممزوجة بالأسى والمرارة ولكن ما العمل؟.. فهذا حكم القدر,..والأغرب من كل هذا السيناريو,.. ان تقول زوجتة له بعد مغادرة الباص,هل التي بجنبك هي (.... ..) صديقتك السابقة ؟
دهـش صابر, وانكر معرفـة من كانت بجانبه,.. ولكن الصًب تفضحه عيونه !
لم يستطع صابر لجم عواطفه ومشاعره عندما استنشق عبيق انفاس اول أمرأة في حياته, ولذا ما ان انهى عمله حتى اوصل زوجته وابنه الى سكنه واختلق عذراً وخرج, وتوجه الى سـكن خطيبته الأولى , واترك للقارئ ان يرسم صورة بذهنه حول ذلك اللقاء والفراق الذي تبعه! ولسان حاله انشد من روائع المتنبي :
قبلتها ودمـوعـي مـزج أدمـعها
وقبلتني على خوف فـماً بـفم
يتبع في الحلقة / 10
|