|
منذ زمن بعيد قالت العرب ( رب أخٍ لك لم تلده أمك). في ذلك الزمان كانت الأخوة والشهامة والنخوة الصفات السائدة في مجتمعات حكمتها عادات وتقاليد القبيلة, ومن يشذ عنها يصبح منبوذاً لا مكانة له. ثم شيئاً فشيئاً مع مرور السنوات تغيرت الأحوال وتبدلت العادات وبدأت الصفات النبيلة تنحسر وتتآكل كما تتآكل الصخور رغم صلابتها بفعل عوامل التعرية والتصحر. وكما استطاعت الرياح المحملة بذرات الرمال على مدى مئات السنين تفتيت الصخور وتحويل تركيبتها الجيولوجية وتغيير ملامح الطبيعة, تضافرت عدة عوامل على مدى الأزمنة لتغير كذلك في ملامح الإنسان وتركيبته الإجتماعية. لكن تبقى هناك صخرة شماء شامخة وسط الرياح العاتية والسيول الجارفة ويبقى الإنسان الأصيل صامداً متمسكاً بصفاته النبيلة برغم الظروف
القاسية والقاهرة حوله
قبل عشرين عام قابلته, شاباً يافعاً لم يكمل ربيعه التاسع عشر, ملامحه العربية الشامية من شعر أسود كثيف وحاجبين معقودين ومقلتين واسعتين شديدتا البياض حول السواد تجعلك لا تتردد في التخمين من أنّه من تلك البلاد. وعندما يحدثك بلهجةٍ فلسطينية مقدسية أقرب إلى البدوية تتأكد من صدق تخمينك, فهو فلسطيني من بيت لحم. هناك نشأ حيث مهد المسيح, لعب في حواري القدس وأذقتها, صلى في كنائسها في أعياد الميلاد, وفي شقاوة مراهق مقاوم طاردته كلاب الإحتلال مع رفاقه عند إنتفاضتهم الأولى. على جبينه العريض علامة تبدو كالوشم لكن إذا ألححت عليه في السؤال يعترف لك بأنها بفعل كعب رشاش جندي لاحقه ورفاقه في أحد الأزقة وعندما حاصره الصغار لم يجد الجندي بداً من إطلاق عدة طلقات في الفضاء وينهال عليهم ضرباً بكعب الرشاش فيسقط هو مضرجاً بدمائه ويهرب الجندي وسط الحجارة وصيحات الصغار.
كان يعمل في أحد محلات الوجبات السريعة وكنت أنا أعمل في محطة وقود على بعد شارعين من ذلك المحل. جئت بعد إكمال دراستي الجامعية أبحث عن موطئ قدم في بلاد العم سام علّني أبني مستقبلاً كنت أحلم ببنائه في وطني الذي مزقته الأنظمة الإستبدادية فبدأ أبناؤه في الهروب في كل الإتجاهات كالغزلان الهاربة من رصاصات صياد متسلط لئيم. جاء هو بعد أن طالت لعبة الكر والفر مع صياد أكثر تسلطاً. كان هو أصغر أخوته. يعمل مع والده بعد الدراسة في مشغل صغير للصناعات اليدوية التي تصدر إلى دول الخليج ويعمل الأخوة في كدٍ في مجالات أخرى. كانت قوات الإحتلال تضيق الخناق عليهم أكثر فأكثر وتلاحق الشباب من مكان إلى آخر والأحوال المعيشية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. دفعه والده دفعاً للخروج من تلك الحالة بعد أن أقنعه بالسفر إلى أميركا ليلتحق بأختيه المقيمتين هناك مع زوجيهما منذ عدة سنوات. سافر إلى الأردن ثم طار للولايات المتحدة. نزل عند إحدى الأختين في شمال فرجينيا والتحق بثانوية في المنطقة. ظل يثابر في النهار في مدرسة حكومية نظامية يذهب إليها مشياً على الأقدام وفي المساء يستغل حافلة عمومية للذهاب إلى مدرسة أخرى يتلقى فيها دروساً مكثفة في اللغة الإنجليزية كي يلحق بالآخرين. خمسة أيام في الأسبوع يمضيهم جاهداً في الدرس أمّا يوما العطلة فلم يكونا فرصة للراحة إذ كان يمضيهما في العمل في محل للوجبات السريعة. لعدم تمكنه من اللغة الإنجليزية بعد ومخاطبة الزبائن أوكلت له مهام التنظيف وجمع القمامة. لم تثن تلك الظروف الصعبة عزيمته. ظل يعمل في اجتهاد واضعاً نصب عينيه هدف الوصول. لم يستمر الحال هكذا طويلاً. قرر قطع الدراسة والتفرغ للعمل عندما أحس بتذمر زوج أخته من وجوده معهم في شقةٍ صغيرة. استأجر غرفة في منزل قريب من مكان العمل وتحولت أيامه السبعة إلى عمل دائم. كان بعد تلك الفترة قد تمكن من المخاطبة باللغة الإنجليزية وشيئاً فشياً تطورت قدراته وأصبح بإمكانه إنجاز مهام أخرى غير التنظيف. ساعدته سرعة البديهة واجتهاده من التطور سريعاً, ولإحتكاكه المباشر لساعات طويلة مع العمال القادمين من أميركا اللاتينية استطاع تعلم الأسبانية وتلك حسنة تحسب عند العمل لأنّ منطقة شمال فرجينيا تكتظ بالناطقين باللغة الأسبانية مما يشجع أصحاب العمل لإعطاء الأفضلية للعاملين الذين يجيدونها. لم يغب عن باله حال أهله في الوطن. كلما جمع مبلغاً من المال بعثه لوالده.
في ذات مساء صيفي قابلته في احتفال مقام على نفس الشارع الذي كنت أعمل فيه. كان هو وزميلة له في العمل يتحدثان بالأسبانية. اقترب مني وأنا أقبع داخل كشك صغير أراقب الجموع المحتشدة. سألني بلطف بالإنجليزية إن كان بإمكانهما الانتظار أمام المحل ريثما يأتي صديق وعدهم باللقاء هناك. ثم سألني بالعربية إن كنت عربياً. تعرفنا على بعضنا البعض. غادرت زميلته مع صديقها بينما ظل هو معي. كان ما يزال بملابس العمل فأدركت أنّه يعمل على بعد خطوات مني. سألته إن كان يعرف المنطقة فأنا كنت أبحث عن غرفة للسكن قريبة من عملي. لقد وجدت ما كنت أبحث عنه, غرفة بسعر مناسب ولا تبعد عن عملي كثيراً. أمّا الأهم فهو ذلك الجار في السكن. منذ أن رأيته أحسست بارتياح. لحظات قليلة من التحدث إليه جعلتني أحس بأنني أعرفه منذ زمن طويل. اسمه باسم وهو اسم على مسمى. لا تفارق الإبتسامة وجهه بل تتحول إلى ضحك أثناء الحديث. إنتقلت إلى تلك الغرفة الصغيرة بجوار غرفته, يشاركنا الطابق شاب لبناني إنطوائي, تجاوز الأربعين وربما كانت إنطوائيته سبب عزوبيته. يسكن الطابق تحت الأرضي أستاذ جامعي أمريكي. كنا قليلاً ما نراه. كل يوم ولفترة وجيزة بعد الظهر نلتقي أنا وباسم في مطبخ المنزل نتناول فطائر الزعتر ونشرب الشاي ثم يتجه كل منّا إلى عمله. بعد منتصف الليل نلتقي مرة أخرى في غرفته, وهي متحف فلسطيني مصغر. على جدرانها الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء وخرائط هنا وهناك. كما تكتظ الغرفة ببعض القطع التذكارية يدوية الصنع. ما من زاوية أو ركن في الغرفة إلا انبعثت منه رائحة فلسطين. رغم انشغال كل واحد منّا في العمل لساعات طويلة كانت اللحظات التي تجمعنا لحظات سعادة حقيقية. بعض الأحيان وعندما يفرغ من عمله مبكراً يأتيني بالطعام. نجلس في ذلك الكشك, ثم ينضم إلينا عبد العزيز وهو رجل في آخر الأربعينات من عمره. كان يعمل مديراً سابقاً حيث عمل باسم. توقف عن العمل للإصابة. نجلس في هدوء الليل بعد الأكل نتسامر ونشرب الشاي. بعد نصف الليل ينهض عبد العزيز الذي قرر العودة لأحضان زوجته تاركاً إيّانا لعزوبيتنا. يسبقني باسم للمنزل لمهاتفة أهله فذلك هو أنسب الأوقات عندما يكون الصباح في أوله في الوطن. عندما يعود ينقل لي أخبار أهله. بفضل مساعدته لهم تأهل اثنان من أخوته للزواج. تبقى القليل لإكمال عش الزوجية. وعدهم بإرسال المبلغ المطلوب في آخر الشهر. وكما وعدهم نفذ وعده. كنت أكبره بعدة سنوات لكن معه أحس أنّه أخي الأكبر لحسن تفكيره واهتمامه ورعايته كل من حوله. ما من أحد ضاقت به ضائقة إلا لجأ إليه. لم يترك فرصة أو مناسبة إلا وأسدى فيها جميلاً لزميل في العمل أو صديق جمعته به الغربة. كان الكل يقصده عند الحاجة وهو لا يخيب ظن أحد. حتى مارسيل اللبناني الإنطوائي عندما تعطلت سيارته على بعد ساعتين عن المنزل لجأ إليه فهرع لنجدته.
باسم كان باسماً ضاحكاً مهما كانت الظروف من حوله. مكنته معاملته اللطيفة واجتهاده من التقدم بخطوات سريعة. فترة وجيزة أصبح فيها مساعد مدير المحل. ثم مديراً لأحد المحلات من سلسلة تلك الشركة للوجبات السريعة. أبلى باسم بلاءاً حسناً وأظهر قدرة جبارة على العمل لساعات طويلة ومهارة في الإدارة, مكنه في ذلك علاقته الطيبة مع العمال ومعرفته بلغتهم الأسبانية. قررت الشركة نقله لواحد من المحلات متدنية المبيع بقصد تحسين الخدمات لرفع المبيع, وقد أصابت الشركة في قرارها. حقق باسم للشركة أرباحاً سنوية طائلة. أثنى عليه المسئولون ونال نياشين الإدارة والكفاءة مع زيادة في الراتب. كنت أراه يكبر في مكانته في العمل فأفرح له وأحس بالفخر بأخي الأصغر. كان يكبر في عيون من حوله لأخلاقه وإنجازاته أمّا أهله لا بد أنّهم يدعون له صباحاً مساءاً فقد ظل لسنوات في تلك الغرفة يعيش على القليل وينفق كل ما يجنيه لإسعاد أخوته ووالديه. توسع والده في العمل, فوجود مصدر مالي بالعملة الصعبة يعني إمكانية شراء مواد خام جيدة وازدياد الطلب على البضاعة. كما تمكن الأخوان من بناء طابق إضافي لسكن الزوجات. كان باسم دؤوب الحركة, حتى بعد ساعات طويلة مجهدة في العمل يبحث عن شيء ما ليسلينا, ويقول لي "لو بقينا هكذا في العزوبية والعمل المضني لساعات طويلة سنموت كمداً" لذا لم يمر أسبوع إلا أتاني بمشروع ما يبعدنا عن العمل والمنزل. ذهبنا في رحلة صيد للغزلان بعد حصوله على رخصة للصيد وبعد أن أكمل دورة تدريبية على السلاح الناري. اصطحبنا عامل عنده من غواتيمالا. كنت أنا أقود السيارة وصديقه يجلس بجانبه على المقعد الخلفي وكل منهم يحمل منظاراً ليلياً يحاول من خلاله رؤية الغزلان في الظلام الدامس وسط الغابات في غرب فرجينيا. لعدم خبرتنا بتلك اللعبة لم نعرف أين توجد الغزلان في موسم الصيد ففضلنا ننتقل في طرق ضيقة وسط الغابات دون جدوى. إلتفت إلى الغواتيمالي وقال له بالعربية " والله لو ما اصطدت غزال اليوم لأطخك بداله يا " أدالي". ضحك صاحبنا وهو بالطبع لم يفهم ما قاله باسم. عندما ترجمت له ما قال كشّر ثم ضحك ثم صاح " انظر يا باسم... هناك قطيع من الغزلان على التلة إلى اليسار". درت إلى اليسار حتى تمكن باسم من الرؤية بوضوح. صوب نحو التلة ثم ضغط على الزناد. كان دوي الرصاص عالياً أفقدنا السمع للحظات. سقطت غزالة ثم هوت من على التلة. هرع باسم و "أدالي" وسحباها نحو السيارة. ثم أخرج باسم سكينة وذبحها, تماماً كما تعلم في الفترة التدريبية. وضعناها في صندوق السيارة ثم عدنا إلى الطريق الرئيسي. قرر باسم أن نتزود بالوقود لرغبته في السفر أبعد من ذلك. عندما توقفنا في محطة الوقود ذهب "أدالي" لقضاء حاجته ودخلت أنا لداخل المحل لأبتاع زجاجة ماء. في لحظة وبسرعة مرت ثلاث سيارات شرطة مطلقة صافرات الإنذار. تلفت في هلع فتبسم العامل في المحطة وطمأنني وأخبرني أنّ ذلك يحدث كل ليلة عندما يسمع صوت لإطلاق النار, فالمنطقة شبه سكنية وبرغم كثرة الغابات حولها الصيد فيها محظور. كتمت أنفاسي وخرجت لأخبر باسم, ثم عدنا من طريق آخر. وصلنا المنزل الرابعة صباحاً. أيقظ باسم جارنا مارسيل ليخبره بالصيد الثمين. أفاق مارسيل وهو بين مصدق ومكذب. أمضينا وقتاً في الحديقة الخلفية حتى انتهينا من السلخ وتقطيع اللحم, ثم وزعناه في اليوم التالي على العمال في المطعم.
في كل يوم أحد يرن جرس الهاتف في الصباح الباكر. تطمئن أخت باسم عليه ثم تذكره بضرورة حضور الصلوات في الكنيسة. ينهض باسم ويوقظ مارسيل الذي كان يذهب لكنيسة أخرى تختلف مع باسم في المذهب. أعد أنا الإفطار والشاي. يأتي باسم في كامل حلته, طقم كحلي وقميص أبيض ناصع وربطة عنق حمراء, تفوح منه رائحة العطر الوردي. عندما أمازحه قائلاً "على هذا الحال لا بد أن نجوزك يا عريس" يضحك قائلاً " والله أنا بدي أجوزك وأرقص في عرسك...بس أنا قدامي مشوار طويل". بالرغم من أنّ حديثنا يبدو مزاحاً إلا أننا في داخلنا كنا جادين, فكلانا يود أن يجد شريكة حياته وينهي عزوبيته ووحدته المرة التي تبدو أمر في الغربة. وبما أنني كنت أكبره سناً كان من الطبيعي أن أكون جاداً في ذلك الأمر وأن أسعى لتحقيقه. كأي شاب في الغربة يواجه مشكلة الوحدة وصعوبة إيجاد الشريكة المناسبة لقلة الخيارات كانت العقبة الأساسية أمامي وجود أسر قليلة من أبناء بلدي وأبناؤهم ما زالوا أطفالاً, لذلك كنت أفكر باختيار شريكة في الوطن أمّا من الأهل أو من زميلات الدراسة سابقاً. لكن صعوبة إجراءات الإقامة وطول الإنتظار تجعل الباب مفتوحاً لخيارات أخرى. لذلك كنت لا أمانع في الارتباط بفتاة من جنسية أخرى ما دامت على خلق. أمّا صديقي باسم فكان دائماً يفكر في الزواج من بنت جلدته ودينه وتلك عقبة لأنّ أعداد المسيحيات الفلسطينيات في تلك الفترة كانت قليلة حيث كنا نقيم, لذلك اقترحت عليه أخته أن يفعل كما فعل ابن خالته "أنطوان" المقيم في أستراليا, فبعد حصوله على الإقامة الدائمة عاد للوطن وأكمل مراسم الزواج هناك وأصطحب زوجته وعادا إلى أستراليا. عقبتنا الأساسية كانت إجراءات مكتب الهجرة والحصول على إقامة دائمة, فبعد إنتهاء مدة تأشيراتنا للزيارة تقدمنا بطلبات لجوء فحصلنا على إذن للعمل وإقامة مؤقتة ريثما يبث في قضيتنا نهائياً. كانت إجراءات الهجرة تسير ببطء السلحفاة وتستنزف منّا قدراً كبيراً من المال الذي نجنيه بشق الأنفس. لم يمر يوم إلا مازحني باسم بأنّ جهوده الحثيثة ستثمر في إيجاد عروس لي وسيسهر ويرقص للصبح ليلة الفرح. كنت أبادله المزاح, لكنه كان جاداً في كل كلمة يقولها. لم يفوت فرصة عند لقاءه بامرأة عربية في العمل أو في مناسبة ما إلا واستفسر إن كانت لديها أخوات أو صديقات. في أيام الجمعة نذهب سوياً إلى سوق بقرب المسجد. أتركه أنا هناك وأذهب للصلاة, وعندما أعود يكون قد ملأ السلة بما لذ وطاب, ثم نعود معاً كي يلحق كل منا عمله. في الطريق يكاد لا يكف عن الكلام عن الزواج والفرح وشريكة الحياة. في ذلك السوق كان دائماً يتجاذب الحديث مع عبد لله أحد الطباخين في مطعم فلسطيني. ينقل له عبد الله أخبار الجالية العربية. ذلك السوق التجاري مقصد العرب في المنطقة ومركز للتعارف واللقاءات. في زاويته مقهى يفتح حتى ساعات الصباح الأولى.
بعد يومٍ مجهدٍ في العمل عدت وتمددت على فراشي. بينما أنا هائم مع موسيقى وكلمات أغنية عاطفية قديمة تدقدق مشاعري فتح باسم الباب الخارجي وهو يناديني بأعلى صوته. كنت على وشك النوم. لكن صوته الجهور الضاحك كعادته طرد من عيني النوم فنهضت استعداداً لسماع حديثه عن العمل أو ربما المشروع القادم كرحلة صيد أو زيارة صديق. دفع الباب و هو يهتف " وجدتها...وجدتها... يا صديقي"
ــ ماذا وجدت؟
ــ العروس.
ــ ألف مبروك. أخبرني...ها.. من أين وكيف؟
ــ لا.. مبروك لك أنت.
ــ أنا؟ كيف؟
ــ اليوم جاءت عندك إمرأة محتجبة.. لون سيارتها أزرق.
ــ نعم.. لكن تلك إمرأة متزوجة وكان معها طفلها.
ــ لا.. لا.. ليست هي, إنما صديقتها.
ثم جلس يحكي لي الحكاية. تلك المرأة تسكن بجوار أخته وتجمع أسرتها بأسرة أخته صداقة. لقد حكى لها عني بتفاصيل وقبل أن يكمل لها الحكاية بادرته هي بالجواب المنتظر, فكانت صديقتها شريكة حياتي التي كنت أبحث عنها. شهور قليلة جرت فيها الأحداث بسرعة. حان لباسم الإيفاء بنذره وهو أوفى الأوفياء. كان يجري يميناً وشمالاً. لم يهدأ ساعة مابين صالة الفرح والمنزل والمحلات التجارية استعداداً لتلك الليلة. لم تضاهي فرحته في تلك الليلة فرحة سوى فرحة العروسين. في صالة أفراح متواضعة اجتمع عدد من الأصدقاء والزملاء في العمل وكثير من أهل العروس المقيمين في الولاية. رقص باسم في بهجة وسرور كما وعد. لم يهدأ أو يجلس للحظة حتى تأكد من كل صغيرة وكبيرة. سهر في تلك الليلة على راحة الضيوف حتى ساعات الصباح الأولى وعند بزوغ الفجر كان ينتظرنا أمام مدخل الصالة ليقلنا إلى فندق يبعد حوالي الثلاث ساعات.
ظل باسم صديقاً وفياً لي ولزوجتي. لم أحتجه يوماً إلا وكان بجواري. لا أستطيع أن أحصي جمائله لي ووقفاته الإنسانية معي ومع الآخرين. رزقت بطفلين ووظيفة في مصرف محلي. كان هو معي دائماً في كل أفراحي. ليس كل ما يتمناه المرء يدركه, جاءت لحظة لم أتمنها في حياتي قط. استنفدت كل فرصي القانونية للإقامة هناك. حان الرحيل. ودعنا باسم والأحباب واتجهنا شمالاً. استقر بنا المقام في هاميلتون لفترة وجيزة, ثم قررنا طلاق الغربة بالثلاث. دفعنا في ذلك خيالنا الواسع وأوهام الحنين فأقنعنا أنفسنا بأنّ الملاذ لنا ولأولادنا هناك في بلدٍ عربي وسط أهلنا. أحرقنا مراكبنا وأبحرنا باتجاه الشرق, ليس بعيداً عن وطني, قريباً من موطن زوجتي حطينا الرحال. ابتدأت رحلة من الضياع والفوضى. كل باب طرقناه من أجل لقمة عيش كريمة كان موصداً ومختوم بختم الفشل, حيث أنّ الأدوات الفعالة هناك هي الرشوة والنصب والإحتيال. تبخرت كل آمالنا في شهور قليلة وتبخر كل ما ادخرناه في السنوات الماضية. لم ينقذنا من الغرق سوى معجزة إلهية مكنتنا من العودة إلى كندا. بعد أن بعنا كل ما لدينا من حلي زوجتي وأشياء قيمة استدنا من الأهل كي نعود لنبدأ من الصفر.
في تلك الفترة انقطع الاتصال بصديقي باسم. فور وصولي إلى تورنتو إتصلت بمنزله فجاءني الرد بأن الهاتف خارج الخدمة. إتصلت بهاتف العمل دون جدوى. لقد إنتقل صديقي إلى منطقة أخرى ولا يعرف عنه أحد شيئاً فهو لم يعد يعمل في تلك الشركة.
بقيت لسنوات أسأل عنه. كلما زارنا أحد من أقارب زوجتي رجوته السؤال عنه في أماكن كان يرتادها. لم أستطع أن أعرف عنه شيئاً سوى أنّه انتقل إلى منطقة أخرى وربما ولاية أخرى.
قبل عام رن الهاتف في الصباح الباكر... تلك الرنة تدل على أنّها مكالمة خارجية. ما أن رفعت سماعة الهاتف حتى سمعت قهقهاته " وينك يا زلمي؟ دوختني عليك." إنّه باسم, ذلك الصوت الفرائحي الضاحك. كما كنت أبحث عنه كان هو يبحث عني.
عشرة أعوام مضت منذ فراقنا. حدثت أشياء كثيرة. لم يتمكن من الحصول على الإقامة الدائمة ولا السفر إلى بلاده ليتزوج هناك. تزوج بزميلته البوليفية وأنجبا طفلتين وفي انتظار المولود الثالث. رغم ضحكته العالية ولهفته في الحديث كانت هناك نبرة حزن بين الجمل... علقت قضيته في مكتب الهجرة. تضامن معه مديره ووعده بالمساعدة. كتب المدير رسالة مفصلة إلى الإدراة العليا, شرح لهم فيها كفاءة صديقي وتفانيه في العمل. أوضح لهم كيف أنّه بدأ كعامل تنظيف قبل تسعة عشر عاماً وبجده واجتهاده ترقى من وظيفة لأخرى حتى شغل منصب مدير منطقة, يدير ثلاثة محلات من أكثر محلات الشركة مبيعاً. ثم ترجاهم في آخر الرسالة بمساندة ذلك النموذج الحي الذي تفخر به الشركة. جاء الرد ظالماً. أمرت الإدارة العليا المدير بفصله مباشرة واستلام كل ما في عهدته. تحت قانون استحدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تسمح الشركة إلا بعمل المواطنين أو الحاصلين على الإقامة الدائمة.
لا بد من مصارعة الحياة من أجل تأمين لقمة العيش له ولأسرته. منذ ساعات الفجر الأولى ينطلق صديقي بعربة الأجرة باحثاً عن الرزق. يعود بعد مغيب الشمس بما كتبه له الله. لقد خسر بخسارة تلك الوظيفة التأمين الصحي الذي كان يغطي ثمن الدواء الباهظ لعلاجه من مرض في معدته.
تمر الأيام والشهور وهو يكابد في انتظار ما تخفيه الأيام القادمة. رغم قسوة الظروف هناك مساحة للفرح. رزق باسم بيعقوب ما أدخل البهجة على الأسرة. لكن ما تضمره إدارة الهجرة أصبح قادراً على إزالة تلك البهجة. حكم في قضيته بالرفض حكماً نهائياً غير قابل للاستئناف, وعليه مغادرة البلاد. بعد الإتصال بكل المنظمات الإنسانية والهيئات الدينية التي كانت تساعد في السابق في مثل هذه الحالات وصل إلى طريق مسدود. لقد أصبح دور هذه المؤسسات بعد الحادي عشر من سبتمبر دوراً هامشياً يقتصر على مساعدات شكلية أمّا قرارات الهجرة فهو خط أحمر لا يمكن لتلك المؤسسات أو غيرها تجاوزه.
أقف عاجزاً عن مد يد العون لصديق مخلص وقف معي على مدى سنوات. أدين له بجميل لا ينسى. كل ما أملك أن أقدمه المساعدة المادية القليلة وأن أتصل بين حين وآخر لأطمئن عليه وعلى أسرته. أمامه ثلاثة خيارات أي واحد منها أقسى من الآخر. إمّا أن يرحل إلى بلد زوجته التي تعاني فقر مدقع ويواجه مشاكل الإقامة والمعيشة, أو أن يرحل إلى بيت لحم حيث يتعين على زوجته مغادرة أراضي السلطة كل ستة أشهر ثم العودة بإذن زيارة جديد, وتبقى ظروف الإحتلال القاسية مصدر ألم, أو أن ينتظر أن يرحلهم مكتب الهجرة. إلى أين؟ لا أحد يعلم.
كلما اتصلت بع توقعت أن يرد علي بحزن لكن أول ما أسمعه على الهاتف تلك الضحكة الجهورة وهو في أحلك الظروف, لم يتزعزع إيمانه, دائماً متفائل ومبتسم للحياة برغم قسوة الظروف ومرارة ألمه وحاله يقول :
لا تحسبوا رقصي بينكم طرباً فالطير يرقص مذبوحاً من الألم
أسامة يوسف عبيد فضل
|